كتابنا

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي يكتب.. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا!

لقد شرع الله سبحانه في آيات قرآنه تشريعًا يمنح الناس جميعًا حرية العقيدة ومنح الله الإنسان حرية الاختيار، الإيمان به أو الكفر بالله واختص لنفسه وحده الحكم على المؤمن بأعماله إن صلحت يدخله جنات النعيم، ويحكم وحده على الكافر بأفعاله بأن يلقى في نار الجحيم.
 
وقد أكد قول الله سبحانه حق الإنسان في حرية مطلقة اختيار عقيدته ويتحمل وحده ذنبه عند الله يوم الحساب في قوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ ) (الكهف: 29)
 

كفل الله للناس حرية الاختيار

ولم يشرع الله للناس حق محاسبة بعض الناس على عقائد غيرهم وما يؤمنون به، بل اختص الله وحده بالحكم على الناس يوم القيامة حيث يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (الحج: 17).
 
وبتلك الآية حسم الله بها سبحانه قضية الإيمان والكفر بأن جعل الناس أحرارًا في عقائدهم وفي إيمانهم، كما أن الله سبحانه لم يعيّن وكلاء عنه في الأرض يراقبون الناس على أفكارهم وعقائدهم، ولذلك عرف رسوله عليه السلام في خطاب التكليف ليبلّغ الناس آياته ويشرح لهم مقاصدها ويتلوا عليهم كتابه وتلك كانت كل مهمته كما أمره الله، ولذلك خاطب الله رسوله بقوله: ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلً) (الاسراء: 54)
 

حكم المرتد

وقد ذكر القرآن حكم الله في الذين يرتدون عن الإسلام بقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: 54)
 
وقال الله سبحانه: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة: 217 )
 
يبين الله للناس أن قضية الردة والكفر به قضية يحكم فيها الله وحده على المرتد والكافر والملحد يوم الحساب ولم تذكر آيات القرأن الكريم نصًا صريحًا بأن الله أذن لشيوخ الدين حق الحكم على الكافر والمرتد للناس في الحياة الدنيا.
 

الإيمان والإلحاد

وبما أن قضية الإيمان والإلحاد والكفر بالله حق منحه الله للإنسان في حرية مطلقة في الإيمان به أو الكفر، وأن الإنسان سيحاسب على قراره يوم القيامة واختص الله لنفسه وحده بالحكم عليهم لأن الله سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم مسبقًا عن الإنسان قبل ولادته سيكون إما مؤمنًا أو كافرًا، لذلك لم يعطِ الله للرسل أو الأنبياء حق محاكمة الناس على عقائدهم وأفكارهم وقناعاتهم.
 
ومن أجل ذلك يتطلب من المسلم الالتزام الكامل بكل الإجلال والتقديس لحق الله وحده في الحكم على الناس في قضية الإيمان به والكفر والإلحاد وما يحدث اليوم من تعارض بين شيوخ الدين وغيرهم من المفكرين، أن شيوخ الدين لم يلتزموا بشريعة القرآن المرجعية الوحيدة لدين الإسلام ولا مرحعية غيرها، ولذلك أمر الله المسلمين بقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ) (آل عمران: 103)
 

ضرورة اتباع المنهاج الإلهي

ولو اتبع المسلمون كتاب الله وطبقوا شرعته ومنهاجه لما حدثت الاختلافات في الأحكام المتناقضة مع شريعة الله في قرآنه، وما تفرقوا في أحكامهم، ولا بد من الفصل بين حكم الله الذي اختص به وحده والشريعة الإلهية التي وضعها للناس لاتباعها في أحكامهم في الدنيا بما جاء في كتابه المبين.
 
فهل كلف الله سبحانه وكلاء عنه في الأرض من الرسل أو الأنبياء أو شيوخ الدين يراقبون الناس في أفكارهم وقناعاتهم وعقائدهم ويحاسبونهم ويعاقبونهم على ما آمنوا به؟
 
ألا يعتبر ذلك الموقف تحديًا لحكم الله في كتابه المبين، بأن الصلاحية لله وحده بمحاكمة المؤمنين والكافرين يوم القيامة؟
 

من أعطى الشيوخ حق الحكم على الناس؟

فمن يا ترى يملك حق إعطاء شيوخ الدين محاكمة الناس على عقائدهم؟ وهل استندوا إلى شرعة الله في قرآنه؟ أم يتسلطون على الناس بمصادرة حق حرية الاعتقاد وحرية التفكر والتدبر في كتاب الله، الذي أمر عباده بأن يتفكروا في آياته ويتخذوا مقاصدها مرشدًا لهم في حياتهم الدنيا، حتى يعم العدل بين الناس وحقهم في حرية التفكير لمعرفة طريق الحق الذي سيعينهم على الابتعاد عن ارتكاب المعاصي والذنوب في الحياة الدنيا، ليأمنوا حساب يوم القيامة.
 
فمن يا ترى أعطى حق الله لشيوخ الدين لحساب خلق الله على أفكارهم وعقائدهم ومحاكمتهم على قناعاتهم؟!
 

محاكم التفتيش

هل المسلمون يعيشون في عصور محاكم التفتيش في عقائد الناس كما حدث في القرن الثالث عشر في أوروبا وسيطرة الكنيسة على أفكار الناس، وإصدار الاحكام الجائرة عليهم؟!
 
فليعلم الناس جميعًا بأن الإسلام حرَّر العقل من سيطرة السلطة الدينية على عقولهم وأمر الله سبحانه الناس بحرية التفكير والتدبر في شريعته ومنهاجه دون وكيل منه أو سلطة غاشمة، استحلت لنفسها باسم الدين حق الله للحكم على أفكار الناس ومحاسبتهم على عقائدهم.
 
فهل استمد شيوخ الدين سلطتهم من الشريعة الإلهية في القرآن الكريم؟ أم اغتصبوا حق الله في الحكم على خلقه؟ فالمسلم يشترط في إيمانه بعد الله إلهًا واحدًا لا شريك له؛ أن يؤمن بكتاب الله القرآن الكريم الذي أنزله على رسوله عليه السلام وبما تضمنته آياته من شريعة ومنهاج حياة للناس جميعًا.
 

الروايات تحل محل الآيات

أم اتخذ شيوخ الدين روايات البشر لتحل محل شريعة خالق البشر وبها يحكمون وبها يمارسون سلطاتهم الدينية، ويضطهدون من يبحث عن طريق الحق والنور الذي نزله الله على رسوله ليضيئ لهم طريق الحق المستقيم في الحياة بتحرير عقولهم من أية مؤثرات لآراء الفقهاء وأصحاب الروايات وتراث السابقين؟
 
فقد بيَّن الله في كتابه المبين اختلاف المفاهيم في مختلف العصور ولم يلزم الله سبحانه الناس بفكر من سبقهم من الأمم السابقة؛ بل أمرهم أن يتفكروا في كل عصر ويستنبطوا من آيات قرآنه ما يلبّي متطلبات مجتمعاتهم في تطبيق شريعة الله ومنهاجه في مجتمعاتهم ويحصنهم بما تستنجه عقولهم في عصرهم من الوقوع في معاصي من سبقهم من الأمم كما قال سبحانه: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة: 134).
 

ثوابت الدين

كما أن كثير من شيوخ الدين يتحدثون عن ثوابت الدين دون تحديد أمين وصادق مع رسالة الإسلام؛ ولذلك فثوابت الدين هي أربعة عناصر:
 
أولًا – إيمان بالله إلهًا واحدًا لا شريك له يحي ويميت له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء قدير.
 
ثانيًا – الإيمان بكتاب الله وما يتضمنه من شرعة ومنهاجًا وعِبر في قصص الأمم السابقين وعظات ووصايا للناس وحساب الناس يوم البعث في كتابه المبين.
 
ثالثًا- الإيمان برسول الله محمد عليه السلام خاتم الأنبياء والمرسلين والإيمان بملائكته وكتبه ورسله جميعًا، لاتفرقة بين رسله، والإيمان باليوم الآخر والقضاء والقدر.
 
رابعًا – تأدية العبادات من أداء الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام.
 
تلك هي ثوابت الدين التي لا تخضع للتبديل أو التحريف أو التزوير من أي إنسان كان والتي يجب على المسلم أن يؤمن بها إيمانًا صادقًا ويمارسها سلوكًا كما وردت في المنهاج الإلهي في القرآن الكريم.
 

الأمر بالتدبر في آيات القرآن الكريم

ألم يأمر الله عباده باتباع كتابه والتدبر في آياته والتفكر في كونه ومخلوقاته! حيث يقول الله سبحانه تاكيدًا لدعوة الناس للتفكير: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29)
 
فريضة من الله على الناس جميعًا أن يتدبروا في آياته ويتعرفوا على حكمته ومراده لمنفعة الناس جميعًا، ويتبعوا شرعته ومنهاجه لعيشوا حياة طيبة يسودها الرحمة والعدل وحرية التفكر والاعتقاد والإحسان، ليتحقق الأمن والسلام للإنسان في كل المجتمعات البشرية ويتعاونوا على البر والتقوى، ويحرموا بينهم العدوان واحتر ام حق الإنسان في الحياة وحمايته من التعرض للاستيلاء على أمواله وممتلكاته.
 
فرحمة الله بالإنسان والرعاية الإلهية بما فرض في آيات القرآن من تشريعات تحقق مصلحة الإنسان وسعادته في الدنيا، ليحيا حياة طيبة في ظل الأمن والسلام.
 
كل ما سبق بشأن حكم الله وحده على الناس على عقائدهم يوم القيامة بما جاء في الآيات المذكورة أعلاه، وهو حكم أمر الله الناس أن يتبعوه وقد حذر الله سبحانه من لا يطيعه فيما حكم به في شريعته في قرآنه حيث يقول سبحانه: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة: 44).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى