تعرف على حكاية أسود قصر النيل شاهدة على تاريخ مصر

أميرة جادو
يعتبر كوبري قصر النيل من أشهر جسور القاهرة، حيث يملك قيمة حضارية كبيرة بصفته أول كوبري يشيد على نهر النيل في القاهرة عام 1869، والثاني على مستوى مصر بعد كوبري بنها الذي شيد عام 1856. يجسد الكوبري رؤية الخديوي إسماعيل في تحويل القاهرة إلى مدينة على غرار المدن الأوروبية.
جسر يربط بين ضفتي النيل
بدأت فكرة إنشاء كوبري قصر النيل عام 1868، حين فكر الخديوي إسماعيل في بناء جسر يربط ميدان الإسماعيلية “التحرير حاليًا” بالضفة الغربية للنيل في منطقة الجزيرة، محاكاةً للمدن الأوروبية. في ذلك الوقت، كانت عملية التنقل بين ضفتي النيل تتم باستخدام مراكب شراعية تربط بجانب بعضها البعض وتغطى بألواح خشبية ليمشي عليها الناس. وجد الخديوي أن بناء جسر سيكون أكثر راحة وعملية، وبدأ التنفيذ الجاد للمشروع عام 1869.
مراحل البناء وتكلفة المشروع
استمر بناء كوبري قصر النيل لمدة ثلاث سنوات، حتى منتصف عام 1871، بتكلفة إجمالية بلغت 113,850 جنيهًا مصريًا. وبلغ طول الكوبري 406 أمتار، وعرضه 10.5 متر. في لفتة خاصة، قدمت الشركة التي نفذت المشروع “ماكيت” مصنوعًا من الذهب الخالص كهدية للخديوي إسماعيل.
تصميم الكوبري وأجزاؤه المميزة
تكون الكوبري من ثمانية أجزاء، أحدها جزء متحرك يبلغ طوله 64 مترًا من جهة ميدان الإسماعيلية “التحرير”، ويفتح يدويًا للسماح بمرور المراكب والسفن. بالإضافة إلى جزأين نهائيين بطول 46 مترًا لكل منهما، وخمسة أجزاء متوسطة يبلغ طول كل منها 50 مترًا. تأسست دعائم الكوبري من “الدبش” المحاط بطبقة من الحجر الجيري الصلب، ونفذت الأساسات باستخدام تقنية الهواء المضغوط. صممت الفتحات لتحمل 40 طنًا، وتسمح بمرور عربات تزن 6 أطنان بشكل متتابع.
رمز العظمة الخديوية
بلغ ارتفاع جسم الكوبري عن سطح النيل حوالي 10 أمتار، تحسبًا لفيضانات النيل. ولإضفاء لمسة جمالية وعظيمة، وضعت أربعة تماثيل لأسود برونزية عند مدخلي الجسر، اثنان منها على كل جانب. صنعت هذه الأسود في فرنسا ونقلت إلى القاهرة، وتأكد من صلابة جسم الكوبري بمرور 6 مدافع عليه محملة بكامل ذخيرتها.
الخديوي إسماعيل وتماثيل الأسود الأفريقية
كان الخديوي إسماعيل حريصًا على تجسيد تفاصيل العظمة في عمارة وسط البلد، وأمر بوضع تماثيل ضخمة على مدخلي الجسر. في أبريل 1871، كلف شريف باشا، ناظر الداخلية، بالتواصل مع الفنان جاك مار لتصميم أربعة تماثيل لأسود أفريقية. تولى فريق بقيادة المثَّال أوجين جليوم والمصور جان ليون مهمة الإشراف على صناعة التماثيل، وخصص لها مبلغًا قدره 198 ألف فرنك.
تماثيل إيطالية الصنع وعلامة مميزة
صنعت تماثيل الأسود الأربعة في إيطاليا من البرونز، ونقلت إلى الإسكندرية بتكلفة بلغت 8425 جنيهًا مصريًا، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت. عندما أُعيد بناء الكوبري لاحقًا، نُقلت الأسود إلى مواقع أقل ارتفاعًا عند مدخليه، لتبقى رمزًا للعظمة الخديوية وواحدة من أبرز معالم القاهرة.



