عدي بن حاتم من زعامة النصرانية إلى نور الإسلام
كان عدي بن حاتم الطائي واحدا من أبرز زعماء العرب قبل الإسلام، ورئيسا مطاعا في قومه، يدين بالنصرانية، ويتمتع بمكانة اجتماعية وسلطة واسعة، حتى إنه كان يأخذ المرباع من غنائم قومه، وهو نصيب لا يملكه إلا من علت منزلته بينهم، ومع ظهور الإسلام وقف عدي موقف المتوجس الرافض، وامتلأ قلبه نفورا من دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ به الأمر أن فر هاربا إلى أطراف بلاد الروم، ظنا منه أن البعد سيمنحه الطمأنينة.
من هو عدي بن حاتم الطائي
لكن الغربة لم تمنحه راحة، بل زادت اضطرابه، فراجع نفسه، وقرر أن يذهب إلى المدينة، لا ليعلن إسلامه، بل ليسمع من النبي بنفسه، دخل عدي المدينة دون أمان أو كتاب، فاستشرفه الناس، وتناقلوا خبره، حتى بلغ النبي صلى الله عليه وسلم، الذي استقبله بهدوء ويقين، وأمسك بيده، وقد سبق أن قال إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي.
وفي طريقهما اعترضتهما امرأة ومعها صبي، تطلبان حاجة، فتوقف النبي وقضى لهما حاجتهما كاملة، في موقف إنساني عميق هز قلب عدي، ثم أخذه إلى بيته، وأجلسه على وسادة، وجلس هو على الأرض، في تواضع لم يألفه عدي من قبل.
بدأ النبي حديثه بكلمات قليلة لكنها أصابت جوهر النفس، فسأله ما الذي يمنعك أن تقول لا إله إلا الله، وهل تعلم إلها غير الله، فأجاب عدي بلا، ثم سأله عن الله أكبر، وهل يعلم شيئا أكبر من الله، فأجاب بالنفي، ثم بين له حقيقة اليهود والنصارى، فلامس حديثه عقل عدي وقلبه، فبادر قائلا إني حنيف مسلم، فانبسط وجه النبي فرحا.
لم يتوقف الأثر عند هذا الحد، فقد شاهد عدي بعد إسلامه النبي يحث الناس على الصدقة ولو بالقليل، مؤكدا أن الكلمة الطيبة قد تقي الإنسان حر النار، وأن الله سيفتح على الأمة أبواب الرزق، حتى تسير المرأة وحدها من يثرب إلى الحيرة لا تخاف إلا الله، وأن كنوز كسرى ستفتح للمسلمين، وأن المال سيفيض حتى يعجز الناس عن إيجاد من يقبل الصدقة.
تسللت هذه الكلمات إلى قلب عدي، لكنه تساءل في نفسه أين لصوص طي، كيف يتحقق هذا الأمن الشامل، غير أن الأيام أثبتت صدق النبوءة، فقد رأى بعينيه المرأة تسير آمنة، وكان من أوائل من شاركوا في فتح المدائن، وشهد سقوط كنوز كسرى، وبقي ينتظر تحقق البشارة الثالثة، يقينا منه بأنها وعد صادق من رسول الله.
وفي رواية أخرى اعترف عدي أن كراهيته للنبي كانت شديدة في البداية، وأنه هرب منه، ثم عاد ليستمع، ففاجأه النبي بمعرفته الدقيقة بدينه، وبأنه كان ركوسيا، رئيسا لقومه، يأخذ المرباع، وأخبره أن ذلك لا يحل له حتى في دينه، فكانت تلك المواجهة الصريحة سببا في كسر كبريائه، وفتح قلبه للحق.
هكذا انتقل عدي بن حاتم من زعامة دنيوية إلى إيمان راسخ، ومن نفور وعداء إلى يقين وتسليم، لتبقى قصته شاهدا حيا على أن الصدق، والتواضع، وقوة الحجة، كانت أعظم أسلحة الدعوة المحمدية، وأن القلوب مهما ابتعدت تعود إذا واجهت الحق بلا حواجز.



