من لهيب العذاب إلى راية الحق.. سيرة عمار بن ياسر التي هزت التاريخ

في أرض اليمن البعيدة، وسط قبيلة مذحج العنسية، عاش رجل اسمه ياسر بن عامر، خرج مع أخويه الحارث ومالك بحثا عن أخ ضاع في طرق الغربة، حتى وصلوا إلى مكة، وهناك لم يجدوا ضالتهم، فعاد الحارث ومالك إلى اليمن، بينما اختار ياسر البقاء وحيدا في مكة، ليبدأ رحلة مختلفة لم يتوقعها أحد.
سيرة عمار بن ياسر
دخل ياسر في حلف مع أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، فزوجه من أمته سمية بنت خياط، وأنجبت له غلاما أطلقا عليه اسم عمار، ثم أعتق أبو حذيفة الغلام، فأصبح عمار مولى لبني مخزوم، ونشأ بين أزقة مكة، قريبا في سنه من رسول الله، وتلاقت روحهما قبل أن يجمعهما الإسلام.
عندما بدأ النبي دعوته سرا داخل دار الأرقم بن أبي الأرقم، دخل عمار يوما مع صهيب بن سنان، واستمع إلى كلام النبي، فتحرك قلبه بقوة، وأعلن إسلامه دون تردد، وسار على خطاه أبوه ياسر وأمه سمية وأخوه عبد الله، ليصبحوا من أوائل من آمنوا، ومن الصف الأول الذي حمل نور الدعوة في بداياتها الصعبة.
واجه آل ياسر عذابا قاسيا من قريش، لأنهم لم يملكوا قوة تحميهم، فسلط عليهم الجلادون أقسى أنواع التعذيب، ألبسوهم الدروع الثقيلة، وقيّدوهم تحت شمس مكة الحارقة، حتى احترقت أجسادهم من شدة الحر، وجاء أبو جهل إلى سمية وطعنها بحربته بكل قسوة، فسقطت شهيدة، لتسجل اسمها كأول شهيدة في الإسلام.
تحمل ياسر التعذيب حتى فارق الحياة، بينما استمروا في تعذيب عمار، فوضعوا الجمر على جسده، حتى فقد وعيه من شدة الألم، وكان النبي يمر بهم وقلبه يمتلئ حزنا، ولا يملك وسيلة لرفع الأذى عنهم في تلك اللحظة، فيقف ويواسيهم بكلمات خالدة تحمل وعدا عظيما، صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.
في يوم شديد القسوة، ضغط المشركون على عمار حتى اضطر أن ينطق بكلمات تمس النبي ويمدح آلهتهم، فلما ابتعد عنهم عاد إلى النبي باكيا، يخبره بما حدث وقلبه يعتصر ألما، فسأله النبي عن حال قلبه، فأجاب بأنه ثابت على الإيمان، فطمأنه النبي وأخبره أنه إن عادوا للتعذيب فليقل ما يدفع الأذى عنه، وثبت القرآن هذا المعنى في آية كريمة تؤكد أن الإيمان يبقى في القلب مهما اشتد الإكراه.
هاجر عمار إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة، وهناك آخى النبي بينه وبين حذيفة بن اليمان، وشارك في كل الغزوات الكبرى، فشهد بدرا وأحدا والخندق وحنينا، ووقف في كل موقف بثبات الرجال الذين لا تهزهم الشدائد.
حمل عمار مكانة كبيرة في قلب النبي، فأثنى عليه بعبارات تعكس صدق إيمانه ونقاء سريرته، واعتبره من خيرة الصحابة الذين اختاروا الطريق الأقوم في كل موقف، وظل اسمه مرتبطا بالصدق والثبات.
بعد وفاة النبي، شارك عمار في حروب الردة، وفي معركة اليمامة صعد على مكان مرتفع، ونادى في المسلمين يدعوهم للثبات وعدم التراجع، وقاتل بشجاعة حتى فقد أذنه في ساحة القتال، لكنه لم يتراجع أو يتوقف.
في عهد عمر بن الخطاب، تولى عمار ولاية الكوفة، ثم ترك المنصب بعد شكوى بعض أهلها، وعندما سأله عمر عن شعوره، أجاب بهدوء صادق أنه لم يفرح حين تولى، ولم يحزن حين ترك، فأدرك عمر صدق طبيعته، وأنه لم يسع يوما إلى منصب أو سلطة.
مع اشتعال الفتنة الكبرى، وقف عمار إلى جانب علي بن أبي طالب في معركة صفين، رغم تقدمه في العمر، حيث بلغ أكثر من تسعين عاما، لكنه لم يتراجع عن نصرة ما رآه حقا.
في يوم صفين، طلب شربة لبن، وتحدث بثقة هادئة أن هذه ستكون آخر شربة له في الدنيا، ثم شربها وتقدم إلى القتال بقوة شاب في مقتبل العمر، فكان حضوره مصدر إلهام لكل من حوله، حتى اعتبره الصحابة علامة يهتدون بها في خضم الفتنة.
سقط عمار شهيدا في أرض المعركة، فتأثر الصحابة بشدة، وأدرك بعضهم خطورة ما يحدث، وتحدث آخرون بحزن عميق عن المصير الذي ينتظر من شارك في قتاله، فقد هزت وفاته القلوب وكشفت حقيقة الصراع.
تولى علي بن أبي طالب الصلاة عليه ودفنه بثيابه كما يدفن الشهداء، وأكد مكانته وفضله، لتبقى سيرته شاهدة على حياة رجل بدأ مستضعفا تحت سياط العذاب في مكة، وانتهى ثابتا في ساحة القتال وهو يدعو إلى الحق.
هكذا انتهت رحلة عمار بن ياسر، رحلة بدأت بالألم وانتهت بالعزة، رجل امتلأ إيمانا حتى أعماق عظامه، واختار الطريق الأصوب في كل موقف، ورحل وهو متمسك بالحق حتى آخر لحظة.



