عادات و تقاليد

الشعر النبطي.. عادة قبلية غير مكتوبة تحكم العلاقات الاجتماعية لدى البدو في الشرق الأوسط

أسماء صبحي – في المجتمعات القبلية بالشرق الأوسط، لا تقاس العادات فقط بما يمارس من طقوس ظاهرية. بل بما تختزنه الذاكرة الجمعية من تقاليد شفوية تحكم السلوك والعلاقات. ومن بين أكثر هذه العادات عمقًا وتأثيرًا، تبرز عادة الشعر النبطي بوصفه أحد أهم أشكال التعبير القبلي لدى البدو. ووسيلة غير مكتوبة لتنظيم القيم، وحفظ التاريخ، وإدارة الخلافات.

الشعر النبطي ليس مجرد لون من ألوان الأدب الشعبي، بل يعد نظامًا اجتماعيًا متكاملًا نشأ في البيئات الصحراوية. حيث غابت الكتابة وحضرت الذاكرة، فصار الشعر هو السجل الحقيقي لحياة القبيلة. ومن خلال الأبيات المنظومة باللهجة الدارجة، وثق البدو حروبهم، وتحالفاتهم، ومواقف الفخر والانكسار، وحتى تفاصيل حياتهم اليومية.

جذور الشعر النبطي

يرجع ظهور هذا النوع من الشعر إلى قرون مضت، حين اعتمد البدو على اللغة المحكية للتعبير عن أنفسهم بعيدًا عن الفصحى الرسمية. وبمرور الوقت، تطور هذا اللون الشعري ليصبح لغة تواصل مشتركة بين القبائل تفهم بسهولة، وتحمل في طياتها معاني الشرف والكرامة والانتماء.

وكان الشاعر في المجتمع القبلي يحتل مكانة خاصة؛ فهو لسان القبيلة والمدافع عن سمعتها، والناقل الأمين لتاريخها. وفي كثير من الأحيان، كان ينظر إلى قصيدة واحدة على أنها قادرة على رفع شأن قبيلة بأكملها أو الإساءة إليها، وهو ما منح هذا الشعر وزنًا اجتماعيًا بالغ التأثير.

وظيفة تتجاوز الفن

لم يكن الشعر النبطي وسيلة للغناء أو الترفيه فقط، بل أدى أدوارًا عملية في حياة البدو. فقد استخدم كأداة لحل النزاعات القبلية، حيث تلقى القصائد في المجالس العامة لتخفيف حدة الخلاف أو الدعوة إلى الصلح. كما لعب دورًا في إعلان المواقف السياسية والاجتماعية سواء في زمن السلم أو أثناء النزاعات.

كذلك شكل الشعر وسيلة تعليمية غير مباشرة، إذ نقلت من خلاله القيم الأساسية مثل الشجاعة، والكرم، وحماية الجار، والوفاء بالعهد. وبذلك أصبح هذا الشعر أداة للحفاظ على الهوية القبلية في مواجهة التغيرات الزمنية.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور خالد بن مطر العتيبي، أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية والمتخصص في التراث البدوي، إن الشعر النبطي يمثل دستورًا اجتماعيًا غير مكتوب لدى القبائل البدوية. فهو يحدد ما يمدح وما يدان، ومن خلاله تصاغ مواقف الشرف والكرامة. وفي كثير من الحالات، كان الشاعر يلعب دور القاضي أو الوسيط الاجتماعي، وتحترم كلمته لما تحمله من وزن معنوي كبير داخل المجتمع القبلي.

ويضيف: “رغم التحولات الحديثة، لا يزال هذا الشعر حاضرًا بقوة سواء في المجالس التقليدية أو في الفضاء الإعلامي. مما يؤكد أن هذه العادة لم تفقد وظيفتها، بل أعادت تشكيل نفسها بما يتناسب مع العصر.

الاستمرار في العصر الحديث

مع تطور وسائل الإعلام، خرج الشعر النبطي من نطاق المجالس القبلية المغلقة إلى المسارح والبرامج التلفزيونية والمهرجانات الثقافية. وأصبح يستخدم اليوم للتعبير عن قضايا معاصرة مع احتفاظه بروحه الأصلية المرتبطة بالانتماء والهوية.

ورغم أن أنماط الحياة الحديثة غيرت الكثير من الممارسات القبلية فإن هذا الشعر لا يزال يعد رابطًا قويًا بين الأجيال، وجسرًا ثقافيًا يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأفراد شعورًا بالاستمرارية والانتماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى