تاريخ ومزارات

المشربية أو المشرفية.. علامة مميزة للعمارة الإسلامية

تضم العمارة الإسلامية العديد من الكنوز المعمارية، ولعل أبرزها هي المشربية التي تعد واحدة من أروع الابتكارات التي جمعت بين الجمال والخصوصية والذكاء البيئي، هذا العنصر المعماري المذهل لم يكن مجرد زخرفة أو تقليد فني، بل كان تعبيرًا حيًّا عن تفاعل الإنسان مع بيئته واحتياجاته الاجتماعية.،وقد انتقل حضور المشربية من وظيفتها التقليدية إلى عالم الديكور الحديث، محتفظة برونقها وأصالتها، لتصبح رمزًا للتوازن بين التراث والتجديد.

تاريخ المشربية

سبب تسمية المشربية

تعددت الآراء حول أصل تسمية المشربية. فالرأي الأول يذهب إلى أن الكلمة محرَّفة من “مشربة”، أي الغرفة المرتفعة أو المكان الذي يوضع فيه أواني الشرب الفخارية لتبريد الماء، والتي كانت توضع داخل تجاويف مخصصة لتقليل درجة حرارة الماء باستخدام الهواء.

ورأي آخر يرى أنها تحريف لكلمة “مشرفية”، بمعنى تلك التي تشرف منها النساء على الطريق، أو كونها فتحة تطل على الشارع تتيح الرؤية دون أن تسمح بالرؤية من الخارج.
أما الرأي الثالث، فينسب الاسم إلى نوع الخشب المستخدم في صناعتها، والمعروف بـ”المشرب”، وهو نوع خشب قوي يتحمل تقلبات الطقس وحرارة الشمس.

ومع مرور الزمن، توسع المفهوم ليشمل كل الأجنحة الخشبية المنفّذة بتقنية “الخرط”، والتي كانت تغلف بها النوافذ في البيوت الإسلامية، كما عرفت المشربية في مناطق أخرى باسم “الروشان” أو “الروشن”، وهي كلمات مأخوذة من الفارسية وتعني الكوة أو الشرفة.

عبقرية التصميم الهندسي

والجدير بالإشارة أن المشربية لم تكن مجرد عنصر زخرفي، بل حملت في طيّاتها عبقرية هندسية استثنائية، فقد صممت لتسمح بدخول الضوء والهواء إلى داخل المنزل، مع ضمان الخصوصية الكاملة لأهله، والسر في هذا يكمن في اختلاف كمية الإضاءة بين داخل المشربية وخارجها، مما يجعل من الصعب رؤية ما وراءها من الخارج.

كما أن المشربيات الداخلية المطلة على الفناء كانت تستخدم كحواجز بصرية تفصل بين الضيوف وأفراد الأسرة، مما يمنح شعورًا بالأمان والخصوصية داخل البيوت التقليدية.

المشربية للتخلص من الطقس الحار

أثبتت المشربية جدارتها في مواجهة التحديات المناخية في البلاد الحارة، فهي تعمل على تقليل حدة الضوء، وتساعد على تلطيف الهواء داخل الغرف، إذ يسهم بروزها عن الجدران في التقاط تيارات الهواء الطبيعية، كما أنها تتيح التحكم في نسبة الرطوبة الداخلة إلى المنزل، مما يجعلها عنصرًا فاعلًا في التهوية والتبريد الطبيعي.

وعلاوة على ذلك أن المادة المصنوعة منها، وهي الخشب، تتمتع بطبيعة مسامية وألياف عضوية تمتص الماء، ما يجعلها مناسبة لامتصاص بعض الرطوبة.

إبداع يدوي فائق الدقة

صناعة المشربيات تتطلب مهارة عالية في النجارة، ودقة في استخدام المخارط اليدوية، فهي تصنع من قطع خشبية صغيرة يتم تجميعها بإتقان من خلال تقنية “التعشيق” دون استخدام المسامير أو الغراء، وما إن يتم تركيبها، فإن تفكيكها يصبح مستحيلًا دون إتلافها، ما يدل على دقة التصميم والتجميع.

عودة معاصرة للمشربية

وفي وقتنا الحاضر، استعادت المشربية مكانتها ولكن بصيغة فنية جديدة، إذ أصبحت جزءًا من فنون الديكور والزخرفة الحديثة، وقد تم دمجها في التصاميم المعمارية بأساليب تجمع بين روح الأصالة والتطور، لتحافظ على ارتباطها الثقافي العميق مع الماضي، وتسهم في إحياء التراث بطريقة معاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى