ماركوس سميكة باشا: حارس التراث ومؤسس المتحف القبطي
أسماء صبحي – تعد محافظة المنيا مهدًا للعديد من الشخصيات التاريخية التي أسهمت في تشكيل الهوية الثقافية لمصر الحديثة. ومن بين هذه الأسماء يبرز ماركوس سميكة باشا، ابن المنيا البار ورائد من رواد توثيق وحماية التراث القبطي في مصر. ولم يكن مجرد موظف حكومي أو مثقف تقليدي، بل كان مشروعًا متكاملاً من الحفظ والتأريخ. عاش لأجله حتى أنشأ المتحف القبطي الذي يعد من أهم المؤسسات التراثية في العالم.
بدايات ماركوس سميكة باشا
ولد ماركوس باشا عام 1864 في مدينة المنيا لأسرة قبطية تنتمي إلى طبقة متوسطة. وكان والده مهتمًا بالعلم والتعليم فشجعه على الدراسة. وتلقى سميكة تعليمه الأولي في مدارس الإرساليات ثم التحق بمدارس القاهرة. وأظهر اهتمامًا مبكرًا بالتاريخ والآثار واللغة القبطية.
عمل منذ صغره على جمع المخطوطات والوثائق القبطية النادرة. وكان يسافر من محافظة لأخرى ومن دير إلى آخر بحثًا عن الكنوز المعرفية المنسية. ومع مرور الوقت، صار مرجعًا معتمدًا للباحثين في التراث القبطي. وهو ما دفعه للتفكير في مشروع كبير لحماية هذا التراث من الضياع.
مشروع المتحف القبطي
في ظل اتساع عمليات التنقيب الأجنبية عن الآثار المصرية، واهتمام الأوروبيين بالتراث الفرعوني. شعر سميكة بأن التراث القبطي مهمل تمامًا ولا يجد من يوثقه أو يحفظه. ولهذا، تبنى مشروعًا ضخمًا تمثّل في إنشاء المتحف القبطي. وكان ذلك عام 1910 بدعم من الكنيسة القبطية والبابا كيرلس الخامس وموافقة من الحكومة المصرية.
سعى سميكة إلى أن يكون المتحف القبطي ليس مجرد مكان للعرض. بل مركزًا علميًا وثقافيًا لتوثيق المخطوطات والأيقونات والأقمشة القبطية والمخطوطات النادرة. ونجح في ذلك حيث بات المتحف اليوم يحتوي على أكثر من 16 ألف قطعة أثرية. توثق تاريخ الأقباط في مصر منذ القرون الأولى وحتى العصر العثماني.
دوره في توثيق التاريخ المصري
لم يقتصر دور ماركوس على جمع القطع الأثرية، بل قام بتأليف العديد من الكتب والمقالات. وأشرف على دراسات علمية مهمة حول الفن القبطي واللغة القبطية. ومن أشهر مؤلفاته:
- التحف القبطية.
- تاريخ الكنيسة القبطية.
- الفن القبطي وتطوره.
كما ساهم في تدريب جيل جديد من الباحثين والمرممين المصريين. في وقت كانت فيه غالبية أعمال الترميم والتنقيب بيد البعثات الأجنبية.
الاعتراف الرسمي والتكريم
نظير خدماته الجليلة، منحته الدولة رتبة الباشاوية عام 1931. وكان من أوائل الأقباط الذين حصلوا على هذا اللقب تكريمًا لإنجازاتهم الثقافية. كما تم تعيينه في عدد من اللجان الوطنية المختصة بالآثار منها لجنة حفظ الآثار العربية، ما يثبت مكانته العلمية والعملية.
وقد كتب عنه المؤرخ يعقوب نخلة روفيلة قائلاً: “لقد أعاد ماركوس سميكة إحياء ذاكرة أمة بأكملها. وكان قلبه ينبض بتاريخها، وعينه على مستقبلها الثقافي”.
التحديات التي واجهت ماركوس سميكة
واجه سميكة باشا الكثير من التحديات، أبرزها ضعف التمويل. ومحدودية الوعي المجتمعي بأهمية التراث القبطي، إلا أنه أصر على الاستمرار. وكان ينفق من ماله الخاص في كثير من الأحيان لدعم المتحف أو شراء المخطوطات النادرة.
كما واجه مقاومة من بعض التيارات المحافظة التي اعتبرت نشر هذا التراث أمرًا غير ضروري. إلا أنه تغلب على هذه العقبات بذكائه وشبكة علاقاته القوية مع النخبة الثقافية والسياسية آنذاك.
وفاته وإرثه الخالد
توفي ماركوس سميكة باشا عام 1944، لكنه ترك وراءه متحفًا لا يزال قائمًا حتى اليوم. ويعد من أعظم صروح التراث الديني والثقافي في مصر. كما ألهم أجيالًا من الباحثين والمؤرخين لمواصلة العمل في هذا المجال. وساهم في تأسيس ثقافة احترام التراث القبطي كجزء لا يتجزأ من الهوية المصرية.
وقال الدكتور إسحق إبراهيم، الباحث في تاريخ الأقباط بمعهد البحوث القبطية، إن ماركوس سميكة باشا من الشخصيات المحورية في نهضة الثقافة القبطية بمصر. ولولاه لضاعت مئات القطع الأثرية والمخطوطات النادرة. كما كان رائدًا حقيقيًا لم ينتظر دعمًا بل بادر وأسس وحافظ على كنز حضاري لا يقدر بثمن.



