المزيد

كيف غيرت صفقة لويزيانا مصير أمريكا إلى الأبد

في أكتوبر من عام 1800، استعادت فرنسا بقيادة نابليون بونابرت إقليم لويزيانا من إسبانيا عبر معاهدة سرية عرفت باسم سان إلديفونسو، امتد هذا الإقليم على مساحة تفوق مليوني كيلومتر مربع، وكان يمثل قلب قارة أمريكا الشمالية، حيث حلم نابليون ببناء إمبراطورية فرنسية جديدة في هذا الجزء من العالم، لكن هذا الحلم لم يستمر طويلًا.

جوهرة لويزيانا ومفتاحها الاستراتيجي

توسطت نيو أورلينز إقليم لويزيانا، وهي مدينة أنشأها الفرنسيون عام 1718 تكريمًا لفيليب أورليان، بفضل موقعها المهم على نهر المسيسيبي، أصبحت مركزًا رئيسيًا للتبادل التجاري، مرت المدينة بتغيرات متلاحقة، فانتقلت من السيطرة الفرنسية إلى الإسبانية، ثم عادت مجددًا لفرنسا في عام 1800، مما جعلها بؤرة للصراع بين القوى العالمية.

كانت الولايات المتحدة حينها دولة ناشئة تدرك تمامًا القيمة الاقتصادية لنيو أورلينز، فسعت لشرائها من فرنسا، إلا أن نابليون رفض العرض الأمريكي في البداية، لكن في عام 1802، وسعت الولايات المتحدة طموحاتها واقترحت شراء كامل إقليم لويزيانا، هذا العرض أثار انقسامًا واسعًا داخل أمريكا، حيث اعتبره البعض فرصة نادرة لا تُفوّت، بينما اعتبره الحزب الفيدرالي مخالفًا للدستور الأمريكي.

نابليون في مواجهة الأزمات والقرارات

تعرض نابليون لضغوط متصاعدة، أبرزها تمرد العبيد في هايتي الذي أعقبه انتشار وباء الحمى الصفراء، وهو ما أدى إلى مقتل الآلاف من الجنود الفرنسيين وأفشل خططه في المنطقة، كما كان يستعد لحرب كبرى مع بريطانيا، فوجد أن الاحتفاظ بإقليم لويزيانا أصبح عبئًا ماليًا وعسكريًا ضخمًا، ورغم معارضة وزير الخارجية تاليران، قرر نابليون في عام 1803 بيع الإقليم بهدف تمويل حروبه في أوروبا.

الصفقة التي غيرت خريطة العالم

في أبريل 1803، قدمت فرنسا عرضًا تاريخيًا ببيع لويزيانا كاملة مقابل 15 مليون دولار، وهو ما يعادل نحو 7 دولارات فقط للكيلومتر المربع، كما كان هذا السعر ضئيلًا بالنسبة لإقليم ضخم سيضاعف مساحة الولايات المتحدة، وافقت أمريكا مباشرة على العرض، واستعانت ببنك بارينجز البريطاني لاقتراض المبلغ اللازم في 30 أبريل 1803، تم توقيع معاهدة بيع لويزيانا، حيث دفعت الولايات المتحدة 11.25 مليون دولار نقدًا، واستخدمت البقية كتعويضات عن الخسائر التي لحقت بها بسبب هجمات القرصنة الفرنسية في السابق.

أثارت الصفقة غضبًا شديدًا داخل فرنسا، واعتبرها كثيرون غير قانونية لأن نابليون لم يستشر البرلمان قبل إبرامها أما إسبانيا، التي كانت قد سيطرت على الإقليم سابقًا، فشعرت بالإهانة لتجاهل دورها في المنطقة ومع ذلك، استثمر نابليون الأموال في تعزيز قواته داخل أوروبا وفي المقابل، تغلبت في أمريكا مشاعر التوسع والطموح على اعتراضات الحزب الفيدرالي، لتصبح الصفقة نقطة تحول بارزة في صعود البلاد.

في يوم 21 ديسمبر 1803، رُفع العلم الأمريكي فوق مدينة نيو أورلينز، معلنًا رسميًا انتقال لويزيانا إلى السيادة الأمريكية، لم تكن هذه الصفقة مجرد عملية بيع أراض، بل لحظة حاسمة أعادت رسم خريطة القارة بأكملها، تضاعفت مساحة الولايات المتحدة، وبرزت نيو أورلينز كمركز اقتصادي وثقافي نشط، تخلى نابليون عن أحلامه الاستعمارية في الغرب، لكنه مهّد الطريق أمام الولايات المتحدة كي تصبح قوة عالمية رائدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى