تاريخ ومزارات

سقوط المماليك وصعود العثمانيين ونهاية عهد وبداية عصر جديد في تاريخ مصر

 

كتبت شيماء طه

شهد مطلع القرن السادس عشر الميلادي واحدة من أعظم التحولات في تاريخ مصر والعالم الإسلامي، حين طُويت صفحة دولة المماليك بعد قرنين ونصف من الحكم، لتبدأ مرحلة جديدة تحت راية الدولة العثمانية. كان سقوط المماليك عام 1517م حدثًا مفصليًا أنهى عهد الفروسية القديمة وفتح الباب أمام عصر الإمبراطوريات الحديثة.

منذ منتصف القرن الثالث عشر، حكم المماليك مصر بقبضة من حديد، واستطاعوا أن يجعلوا من القاهرة مركزًا سياسيًا وثقافيًا وعسكريًا للعالم الإسلامي. فقد هزموا المغول في معركة عين جالوت، وحرروا مدن الشام من الصليبيين، وشيّدوا قلعة صلاح الدين ومساجد ومدارس ظلت شاهدة على مجدهم. غير أن القوة التي بنت دولتهم كانت أيضًا سببًا في ضعفها لاحقًا، حين انشغل الأمراء بالصراعات الداخلية على الحكم، وتفكك الجيش الذي كان عماد الدولة.

في المقابل، كانت الدولة العثمانية الصاعدة في الأناضول تتوسع بسرعة مذهلة. وبحلول القرن السادس عشر، أصبح العثمانيون القوة الإسلامية الكبرى التي تسعى لتوحيد العالم الإسلامي تحت رايتهم. أدرك السلطان سليم الأول أن السيطرة على مصر تعني السيطرة على طريق التجارة بين الشرق والغرب، وأن ضمها سيمنح العثمانيين شرعية الخلافة الإسلامية بعد أن ضعفت دولة العباسيين في القاهرة.

اندلعت المواجهة الحاسمة بين المماليك والعثمانيين في معركة مرج دابق عام 1516م شمال حلب، حيث مُني المماليك بهزيمة قاسية قُتل فيها السلطان قانصوه الغوري. وبعد عام واحد فقط، دخل العثمانيون مصر بعد معركة الريدانية عام 1517م، التي انتهت بمقتل السلطان طومان باي، آخر سلاطين المماليك. عُلّق طومان باي على باب زويلة في القاهرة، في مشهد مؤلم جسّد نهاية دولة كانت في يوم من الأيام سيدة المشرق.

لم يكن سقوط المماليك مجرد انهيار لنظام سياسي، بل كان انتقالًا حضاريًا من حكم الفروسية التقليدية إلى نظام الدولة المركزية الحديثة. ومع أن العثمانيين قضوا على الحكم المملوكي، فإنهم أبقوا على كثير من الأمراء والفرسان في مواقع إدارية وعسكرية، تقديرًا لخبرتهم، مما سمح باستمرار التأثير المملوكي في الحياة المصرية قرونًا طويلة.

ومع دخول العثمانيين، أصبحت مصر ولاية تابعة لإسطنبول، لكنها ظلت قلب العالم العربي بفضل موقعها وثقافتها. استمر نفوذ المماليك في الظل، حتى عادوا لاحقًا للعب أدوار سياسية في القرن الثامن عشر، ما يعكس عمق جذورهم في المجتمع المصري.

لقد مثّل سقوط المماليك وصعود العثمانيين نقطة تحول حاسمة بين عالمين: عالم الفروسية والسيوف، وعالم المدافع والإدارة المركزية. انتهت دولة المماليك، لكنها تركت إرثًا خالدًا في تاريخ مصر، من مدارسهم ومساجدهم إلى روح الشجاعة والانضباط التي زرعوها في جيشهم، لتبقى مثالًا على أن المجد العسكري وحده لا يكفي إن غاب عنه الاستقرار والوحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى