عادات و تقاليد

عادة التبسيل في سلطنة عمان.. طقس زراعي يتحول إلى مهرجان اجتماعي واقتصادي

أسماء صبحي – لا تعد عادة التبسيل في سلطنة عمان مجرد نشاط زراعي عادي، بل هو تقليد سنوي متوارث يعكس علاقة الإنسان العماني بالنخلة، تلك الشجرة التي تمثل مصدرًا أساسيًا للغذاء والدخل. ويمارس هذا الطقس في عدد من ولايات السلطنة خاصة خلال موسم “القيظ” أي فترة حصاد النخيل. حيث تتحول القرى إلى خلية عمل جماعي تجمع بين التراث والإنتاج.

ما هي عادة التبسيل؟

التبسيل هو عملية طهي ثمار النخيل في مرحلة “البسر” قبل أن تصبح تمرًا ثم تجفيفها تحت أشعة الشمس لإنتاج منتج يعرف محليًا باسم “الفاغور”. وتبدأ العملية بقطف العذوق ثم فصل الثمار وتنقيتها قبل أن تطهى في مراجل كبيرة لمدة تتراوح بين 15 و30 دقيقة. وبعدها تنقل إلى أماكن مفتوحة لتجفيفها لعدة أيام.

طقوس جماعية تعكس روح التعاون

لا يقتصر التبسيل على العمل الزراعي فقط، بل يحمل طابعًا اجتماعيًا واضحًا. حيث يشارك فيه أفراد الأسرة جميعًا من الرجال والنساء إلى الأطفال في مشهد يعكس روح التعاون والتكافل داخل المجتمع. ويتم توزيع الأدوار بين الجداد أو القطف، والتنقية، والطهي، والتجفيف، مما يجعل الموسم فرصة للتقارب والتواصل بين الأهالي.

كما تترافق هذه العملية مع أجواء احتفالية حيث تردد الأهازيج الشعبية ويجتمع الناس في مواقع العمل. مما يحول الحصاد إلى حدث اجتماعي سنوي ينتظره الجميع.

موسم اقتصادي مهم للمزارعين

يمثل التبسيل أحد أهم المواسم الاقتصادية في عمان، إذ يعتمد عليه كثير من المزارعين كمصدر دخل رئيسي. وبعد الانتهاء من التجفيف يتم تعبئة المنتج وبيعه في الأسواق المحلية أو تصديره إلى الخارج خاصة إلى دول مثل الهند، حيث يحظى “الفاغور” بقيمة تجارية مميزة. كما تعد هذه الحرفة وسيلة فعالة لحفظ ثمار النخيل لفترات طويلة. مما يعزز الأمن الغذائي ويقلل من الفاقد الزراعي.

جذور تاريخية وهوية مستمرة

يعود تاريخ التبسيل إلى قرون طويلة حيث حافظ عليه العمانيون جيلاً بعد جيل. وذكر في كتابات تاريخية تشير إلى تصدير التمور المجففة من عُمان منذ القدم. ورغم التطور الزراعي الحديث لا تزال هذه العادة حاضرة بقوة. بل يتم الاحتفاء بها في فعاليات ومهرجانات رسمية تهدف إلى الحفاظ على هذا الموروث وتعزيزه اقتصاديًا وثقافيًا.

بين التراث والاستثمار الحديث

في السنوات الأخيرة لم تعد عادة التبسيل مجرد عادة تقليدية، بل أصبح محورًا لفرص استثمارية جديدة. حيث تستخدم منتجاته في صناعات غذائية متنوعة وتقام فعاليات للتعريف به وتشجيع الابتكار في استغلاله. وهكذا، يجمع التبسيل بين الماضي والحاضر ليبقى شاهدًا على قدرة المجتمعات التقليدية على تحويل عاداتها إلى مصادر قوة اقتصادية وثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى