تاريخ ومزارات

مدينة زبيد التاريخية.. ذاكرة العلم والحضارة في اليمن

أسماء صبحي – تعد مدينة زبيد التاريخية واحدة من أقدم المدن العربية في شبه الجزيرة العربية، وتقع غرب اليمن في محافظة الحديدة. هذه المدينة ليست مجرد موقع أثري، بل تمثل ذاكرة حضارية امتدت لأكثر من ألف عام. حيث كانت مركزا علميا وفكريا بارزا في العالم الإسلامي، ومقصدا للعلماء وطلاب المعرفة من مختلف الأقاليم. ورغم ما تعرضت له من إهمال وتحديات في العقود الأخيرة، ما زالت زبيد تحتفظ بروحها التاريخية ومعالمها المعمارية التي تحكي فصولا طويلة من المجد العلمي والثقافي.

جذور مدينة زبيد التاريخية

تأسست مدينة زبيد في القرن الثالث الهجري، وتحديدا عام 204 هجريا، على يد محمد بن عبدالله بن زياد، لتصبح عاصمة للدولة الزيادية. ومنذ ذلك الحين، لعبت المدينة دورا محوريا في الحياة السياسية والعلمية في اليمن والمنطقة العربية. وخلال فترات متعددة، تحولت زبيد إلى واحدة من أهم الحواضر الإسلامية حتى أطلق عليها المؤرخون لقب مدينة العلماء والفقهاء.

كانت زبيد مركزا لتدريس علوم الفقه واللغة والحديث، وخرجت عشرات العلماء الذين كان لهم تأثير واسع في العالم الإسلامي. كما احتضنت المدينة مدارس علمية ومساجد تحولت إلى جامعات مفتوحة قبل ظهور مفهوم الجامعة الحديثة.

الطابع المعماري الفريد

تتميز مدينة زبيد بطراز معماري فريد يعكس الهوية اليمنية الأصيلة. شوارعها الضيقة، وأسوارها القديمة، ومنازلها المبنية من الطوب المحروق، تعكس عبقرية الإنسان في التكيف مع المناخ والبيئة. كما تضم المدينة أكثر من 80 مسجدا تاريخيا، من أبرزها الجامع الكبير في زبيد، الذي يعد من أقدم المساجد في اليمن، وكان مركزا رئيسيا للتعليم الديني.

وتظهر الزخارف الجصية والنوافذ الخشبية المنحوتة مدى التطور الفني الذي وصلت إليه المدينة. حيث لم يكن البناء مجرد وسيلة للسكن، بل لغة حضارية تعبر عن الذوق والجمال والانتماء.

الدور العلمي والثقافي

لم تكن زبيد مدينة سياسة وحكم فقط، بل كانت منارة علمية حقيقية. فقد وفد إليها علماء من الحجاز والعراق وبلاد الشام، وأسهموا في تأسيس حركة علمية نشطة. وتذكر المصادر التاريخية أن زبيد كانت تضم مئات المدارس والحلقات العلمية التي تدرس مختلف فروع المعرفة.

ويؤكد الباحثون أن المدينة لعبت دورا رئيسيا في نشر المذهب الشافعي في اليمن. كما كانت مركزا لتدوين المخطوطات ونسخ الكتب، ما جعلها خزانا معرفيا مهما عبر العصور.

وقال الدكتور عبدالله الأكوع، الباحث في التاريخ الإسلامي والتراث اليمني، إن مدينة زبيد التاريخية تمثل نموذجا استثنائيا للمدن العلمية في العالم الإسلامي، حيث جمعت بين العلم والعمارة والتنظيم الاجتماعي. وأضاف أن القيمة الحقيقية لزبيد لا تكمن فقط في مبانيها، بل في دورها الفكري الذي ساهم في تشكيل الهوية الثقافية لليمن والمنطقة.

وأشار الأكوع إلى أن إدراج زبيد على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر يستوجب جهودا محلية ودولية عاجلة للحفاظ عليها من الاندثار.

التحديات التي تواجه المدينة

رغم مكانتها التاريخية، تواجه زبيد اليوم تحديات كبيرة، أبرزها تدهور المباني التاريخية نتيجة الإهمال، وتأثير العوامل المناخية بالإضافة إلى نقص التمويل المخصص لأعمال الترميم. كما ساهمت الأوضاع السياسية والاقتصادية في اليمن في تعقيد جهود الحفاظ على هذا الإرث الإنساني.

وقد أدرجت منظمة اليونسكو مدينة زبيد ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر. محذرة من فقدان جزء كبير من معالمها إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة لحمايتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى