القسم على النار.. طقس قبلي نادر لحسم النزاعات في عشائر كردستان العراق
أسماء صبحي– في المناطق الجبلية الوعرة شمالي العراق وتحديدا في بعض عشائر كردستان. ما زالت تقاليد قبلية قديمة تحكم جوانب من الحياة الاجتماعية، ومن بين اكثر هذه العادات غرابة وندرة طقس يعرف باسم القسم على النار. وهو طقس عرفي يستخدم كوسيلة اخيرة لحسم النزاعات الكبرى واثبات البراءة او صدق الرواية في ظل احترام عميق للعرف والخوف من العقاب المعنوي المرتبط به.
جذور عادة القسم على النار
تعود جذور هذه العادة الى فترات سبقت قيام الدولة الحديثة حين كانت العشيرة هي المرجع الاساسي في فض النزاعات وتنظيم العلاقات بين الافراد. ومع صعوبة الوصول الى القضاء الرسمي في المناطق الجبلية قديما، طورت العشائر الكردية منظومة من الاعراف الصارمة. كان من بينها اللجوء الى القسم على النار كحل اخير عندما تتعارض الشهادات او تغيب الادلة.
كيف يتم القسم على النار
يتم هذا الطقس بحضور وجهاء العشيرة وكبار السن، وفي ساحة مفتوحة غالبا امام منزل المختار او شيخ العشيرة. توقد نار قوية في موقد حجري ثم يطلب من الشخص المتهم او المدعى عليه ان يقترب منها ويقسم امام الجميع ببراءته او بصدق كلامه. واضعا يده قريبا من النار دون لمسها، او مارا بجانبها بخطوات محددة، وفقا لما هو متعارف عليه في كل عشيرة.
ويعتقد افراد العشيرة ان من يحلف كذبا امام النار سيتعرض لعقاب الهي قد يتمثل في مرض او فقدان البركة او مصيبة تصيبه او احد افراد اسرته. وهو ما يمنح الطقس رهبة خاصة تجعل الكثيرين يتراجعون عن الكذب قبل الوصول الى هذه المرحلة.
دلالات رمزية عميقة
تحمل النار في الثقافة الكردية القديمة رمزية خاصة، فهي مرتبطة بالطهارة والقوة والحقيقة، ويعود ذلك الى جذور تاريخية وثقافية ضاربة في القدم. ولهذا ينظر الى القسم على النار باعتباره اختبارا اخلاقيا وروحيا قبل ان يكون اجراء اجتماعيا. حيث يضع الانسان سمعته وحياته المعنوية على المحك امام الجماعة.
القسم كبديل للقضاء
في كثير من الحالات، كان هذا الطقس كفيلا بانهاء نزاعات طويلة بين العائلات او العشائر خاصة في قضايا الشرف او النزاعات المالية الكبيرة. فمجرد قبول احد الاطراف بالخضوع للقسم، ورفض الطرف الاخر، كان يعد دليلا معنويا يرجح كفة احدهما. ويجبر الجميع على الالتزام بالحكم العرفي الصادر بعدها.
في هذا السياق، يقول الدكتور آزاد محمود، الباحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة السليمانية. ان القسم على النار يعد من اقسى ادوات الضبط الاجتماعي في المجتمع العشائري الكردي. لان قوته لا تستمد من العقاب الجسدي، بل من الايمان الجماعي بالعواقب المعنوية والروحية، وهو ما جعله فعالا لعقود طويلة في حفظ السلم الاجتماعي.
تراجع العادة في العصر الحديث
مع توسع سلطة القانون وازدياد الوعي القانوني، تراجعت ممارسة القسم على النار بشكل كبير، واقتصرت على حالات نادرة وفي مناطق بعيدة عن المدن. كما باتت تمارس احيانا بشكل رمزي فقط دون اشعال نار حقيقية، حفاظا على معناها التراثي دون الدخول في تعارض مع القوانين الحديثة.



