النقع بالحليب.. عادة قبلية نادرة في سقطرى تحمي الطفل منذ لحظاته الاولى
أسماء صبحي– في ارخبيل سقطرى اليمني، الذي يتميز بخصوصية بيئية وثقافية نادرة ما زالت بعض العادات القبلية القديمة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. ومن بين هذه العادات طقس يعرف محليا باسم النقع بالحليب، وهو تقليد اجتماعي مرتبط بولادة الاطفال الجدد. ويعكس نظرة المجتمع السقطري للصحة والحماية والهوية الجماعية.
عادة النقع بالحليب
تعود جذور هذه العادة الى قرون طويلة، حين كانت القبائل في سقطرى تعتمد بشكل اساسي على تربية الماشية خصوصا الابل والماعز كمصدر رئيسي للغذاء والحياة. ومع قلة الموارد الطبية في الماضي، طورت المجتمعات المحلية ممارسات رمزية وصحية في آن واحد اعتقادا منها انها تضمن للطفل السلامة والنمو السليم. ويقوم طقس النقع بالحليب على تغسيل المولود الجديد في اليوم الاول او الثاني بعد الولادة بالحليب الطازج وغالبا ما يكون حليب الماعز، قبل لفه بالقماش وتسليمه لامه.
الحليب رمز الطهارة والبركة
لا ينظر السقطريون الى هذا الطقس باعتباره مجرد عادة شكلية. بل يرون فيه رسالة رمزية قوية، فالحليب في ثقافتهم يرمز الى الطهارة والرزق والبركة، كما يعد علامة على الارتباط بالارض وبالماشية التي تمثل عماد الحياة الاقتصادية. ويعتقد كبار السن ان الحليب يحمي الطفل من العين والامراض ويمنحه قوة جسدية وروحية في سنواته الاولى. وهو ما يعكس ايمانا شعبيا متوارثا بقوة العناصر الطبيعية في حماية الانسان.
نساء العائلة في قلب المشهد
وتتم هذه الممارسة عادة بحضور نساء العائلة فقط خاصة الجدات والقريبات الكبيرات في السن اللواتي يتولين الاشراف الكامل على الطقس. بينما يبتعد الرجال احتراما لخصوصية اللحظة. وفي بعض القرى، يرافق النقع بالحليب ترديد عبارات ترحيب ودعاء تقليدية تتمنى للمولود طول العمر والانتماء الصالح للقبيلة. مما يحول الطقس الى مناسبة اجتماعية صغيرة تعزز الروابط الاسرية.
بين الموروث والطب الحديث
ورغم التطور الصحي ودخول الخدمات الطبية الحديثة الى بعض مناطق سقطرى، لا تزال هذه العادة تمارس حتى اليوم، وان كان بشكل رمزي في كثير من الاحيان. فقد اكتفت بعض الاسر بلمس جبين الطفل بقطرات من الحليب بدلا من تغسيله كاملا في محاولة للجمع بين احترام الموروث الثقافي والالتزام بالتوصيات الصحية الحديثة. خصوصا مع ازدياد الوعي بمخاطر بعض الممارسات التقليدية.
ويؤكد باحثون في علم الانثروبولوجيا ان مثل هذه العادات تمثل جزءا مهما من الهوية الثقافية للمجتمعات القبلية. وفي هذا السياق يقول الدكتور سالم بن عفرار، باحث في التراث الشعبي اليمني، إنن عادة النقع بالحليب في سقطرى ليست مجرد طقس ولادة، بل هي تعبير عميق عن علاقة الانسان بالطبيعة وبالمجتمع. حيث يتم تقديم المولود منذ لحظاته الاولى كجزء من منظومة جماعية تحكمها قيم التكافل والانتماء والرمز.



