تاريخ ومزارات

مصر والبريد.. حكاية التواصل منذ فجر الحضارة

لما كانت مصر مهد أقدم المدنيات، فقد اتسع فيها دون غيرها مجال البحث عن أقدم النظم البريدية، إذ من الطبيعي، مع قيام حكومات منظمة في عهد الفراعنة تضم إدارات ومكاتب للموظفين وجيوشا وأساطيل، أن تنشأ وسائل اتصال دائمة تربط الملوك بعمالهم في الأقاليم والبلاد التي خضعت لسلطانهم، وأن يوجد نظام بريد منتظم يحمل إلى الحكام أخبار الرعية، وينقل أوامر الدولة إلى الولاة والمسؤولين في مختلف أنحاء البلاد، وقد أكدت الآثار التاريخية، إلى جانب ذلك، وجود رسائل متبادلة بين فراعنة مصر وحكام الدول المجاورة، في إطار علاقات تجارية وسياسية واسعة، وهو ما يعكس تطور وسائل الاتصال في تلك المرحلة المبكرة، وقد استخدم الفراعنة الشقاف والجلود والأخشاب لكتابة الرسائل، وكانت تنقل بواسطة سعاة يسيرون على الأقدام، في نظام يعكس دقة التنظيم وقوة الإدارة.

وتعد أقدم وثيقة ورد فيها ذكر البريد راجعة إلى عهد الأسرة الثانية عشرة، حوالي عام 2000 قبل الميلاد، وهي وصية كتبها أحد الكتبة لابنه، وجاء فيها وصف دقيق لمعاناة ساعي البريد، إذ أشار إلى أنه يحمل أعباء ثقيلة، ويكتب وصيته قبل أن ينطلق في مهمته، في دلالة واضحة على صعوبة العمل وخطورته في ذلك الزمن، ورغم اتفاق كثير من المؤرخين على أن الفرس كانوا أول من وضع نظاما منظما للبريد في بلادهم، ومن المرجح أنهم أدخلوا بعض نظم البريد إلى مصر عند غزوهم لها في القرن السادس قبل الميلاد، إلا أن الثابت تاريخيا أن البطالسة، الذين حكموا مصر بعد ذلك، أسسوا نظاما بريديا متطورا، إذا قورن بمستوى التنظيم المعروف في تلك العصور، مع مراعاة الفارق الكبير بين مستوى الحضارة آنذاك ومستواها في العصر الحديث.

وقد بلغ البريد في العصر البطلمي درجة عالية من الدقة والتنظيم، سواء من حيث سرعة نقل المراسلات أو ضمان وصولها، أو من حيث تحديد مسؤوليات العاملين فيه، وتكشف الوثائق المتبقية أن البطالسة أنشأوا بريدا سريعا ومنظما لنقل الرسائل الرسمية، يعتمد على تقسيم المسافات وتوزيع المهام بدقة، بما يضمن استمرارية الاتصال بين مركز الحكم والأقاليم.

تاريخ البريد في العصور الوسطى

في العصور الإسلامية، برز منصب صاحب البريد، الذي كان يتولى الإشراف على ديوان البريد، وهي وظيفة تعادل في مفهومها الحديث منصب مدير عام هيئة البريد، وكان صاحب البريد يمثل حلقة الوصل بين الخليفة والولاة، وينقل الأخبار والتقارير من أطراف الدولة إلى مركز الخلافة، ويرجع تنظيم البريد في الدولة الإسلامية بشكل واضح إلى عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، الذي يعد أول من نظم البريد في الإسلام، بهدف تسريع وصول أخبار الولايات البعيدة إلى العاصمة، وقد استعان في ذلك برجال من الفرس والروم لما لديهم من خبرة في هذا المجال.

وقسمت المسافات بين البلاد والولايات والمدن إلى محطات، تفصل بينها مسيرة يوم تقريبا، واستمر هذا النظام في العصور اللاحقة، ولا سيما في العصر المملوكي، حيث عرف بنظام المحطات والخانات، وكان في كل محطة خدم يتولون إعداد الجياد والعناية بها، إلى جانب موظفين يشرفون على سير العمل وضمان انتظام حركة البريد.

وكان ديوان الإنشاء، أو بيت المال، يتولى إدارة أعمال البريد، ويشرف عليه الدوادار الذي كان يعرف أيضا بلقب أمير البريد، ومن مهامه الأساسية السهر على سرعة إرسال بريد السلطان، وإذاعة أوامره في مختلف أرجاء الدولة، كما كان يقدم للسلطان التقارير المتعلقة بالأعمال الإدارية، والأوراق المطلوب توقيعها، والالتماسات التي يسعى أصحابها إلى عرضها على السلطان.

وشهدت مصر في أوائل القرن الثاني عشر تطورا فريدا في مجال الاتصال، إذ عرفت نظام البريد الجوي باستخدام الحمام الزاجل، في تجربة تعد من أدق وأسرع نظم الاتصال في ذلك العصر، وقد استمر هذا النظام عدة قرون، وكان السلطان نور الدين، الذي تولى الحكم على مصر والشام سنة 1146، أول من أنشأ محطات للحمام الزاجل على أهم طرق السلطنة، مما ساهم في تعزيز سرعة نقل الأخبار العسكرية والإدارية.

تاريخ البريد منذ عصر محمد علي

مع بداية العصر الحديث، أولى محمد علي باشا اهتماما كبيرا بنقل مراسلات الحكومة، فنظم محطات البريد بين العاصمة وأهم مراكز القطر، واعتمد في ذلك على سعاة مشاة يتناوبون نقل الرسائل من محطة إلى أخرى، على ألا تتجاوز المسافة بين المحطتين مسيرة ساعة واحدة، حرصا على سرعة الوصول ودقة الأداء، وكان البريد يتحرك يوميا بين القاهرة ومراكز الوجه البحري ذهابا وإيابا، في نظام يعكس وعيا متقدما بأهمية الاتصال المنتظم في إدارة شؤون الدولة.

أما الرسائل الموجهة إلى الخارج، فكانت تسلم إلى ربابنة السفن، أو ترسل عبر قناصل الدول، أو من خلال مكاتب البريد الأجنبية، إلى أن تطور النظام البريدي وأصبح أكثر استقلالا وتنظيما.

ويعد النظام البريدي في مصر من أقدم الأنظمة البريدية على المستويين العربي والإقليمي، بل والعالمي، فقد كانت مصر من الدول المؤسسة للاتحاد البريدي العالمي عام 1874، ضمن اثنتين وعشرين دولة فقط على مستوى العالم آنذاك، كما شاركت في تأسيس الاتحاد البريدي العربي عام 1953، والاتحاد البريدي الإفريقي عام 1961، وظلت مصلحة البريد تعرف بهذا الاسم حتى صدر القرار الجمهوري رقم 710 لسنة 1957، الذي نص على إنشاء هيئة البريد كهيئة عامة ذات شخصية اعتبارية، لتواصل مصر دورها التاريخي في تطوير نظم الاتصال والبريد عبر العصور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى