عادات و تقاليد

الجرتق عادة لا يستغني عنها السودانيون.. ماهي ؟

يرتبط المجتمع السوداني ارتباطًا وثيقًا بالريف وما يحمله من عادات وتقاليد متوارثة، وتبرز من بينها عادة “الجرتق” التي نشأت منذ زمن بعيد في وسط البلاد وشمالها، قبل أن تشق طريقها بهدوء نحو العاصمة الخرطوم، لتتحول إلى واحدة من أبرز طقوس الزواج وأكثرها حضورًا.

وتتميز “الجرتق” بخصوصيتها، إذ تقتصر عادة على أهل العروسين والمقربين فقط، ومع مرور الوقت أصبحت عنصرًا أساسيًا لا تكاد تخلو منه أي مناسبة زواج، بل إن بعض الأزواج يكتفون بإقامتها دون تنظيم حفل زفاف كامل.

“الجرتق” في العاصمة

بعد ارتداء العروس الفستان الأبيض، يصطحبها العريس بالسيارة إلى صالة الفرح، حيث تنطلق أجواء الاحتفال الصاخبة التي تستمر قرابة ساعة، وهو تقليد حديث فرضه الانفتاح على العالم.

وفي الدقائق الأخيرة من الحفل، يبدأ تغيير ديكور القاعة إلى اللون الأحمر، تماشيًا مع ثوب العروس الذي ترتديه بعد خلع الأبيض، ومع جلابية العريس البيضاء المعروفة باسم «السُرتي» والمزدانة بنقوش حمراء.

تدخل العروس وهي تغطي وجهها بـ”القرمصيص”، وهو قماش ذو ألوان زاهية، لتبدأ بعدها مراسم “الجرتق” التي تحيى على أنغام الأغاني الحماسية والتراثية باستخدام “الدلوكة”، وهي آلة إيقاعية تقليدية، قبل الانتقال إلى مجموعة من الطقوس الخاصة التي تميز هذه المناسبة.

طقوس اللبن والضريرة

من أكثر الطقوس لفتًا للانتباه في “الجرتق” السودانية طقس رش اللبن، الذي يعد عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه، ويأتي ذلك بعد وضع “الضريرة”، وهي “ريحة جافة” تحضر من الحبوب بطرق خاصة، وتمسح على رأسي العروسين.

يرتشف العريس جزءًا بسيطًا من اللبن الموضوع في إناء على الطاولة، ثم يرشه على العروس التي تخفي وجهها، لتبادله العروس الفعل نفسه، ومن يصيب الآخر باللبن على وجهه يعد الفائز، فتتعالى الزغاريد احتفاءً به.

فأل جيد وحكايات الجدات

تقول الحاجة فاطمة القاضي، من منطقة “الكِتياب” والمعروفة بخبرتها في طقوس “الجرتق”، إنهم في الماضي كانوا يجهزون الصندل والمحلب والسبح، ويضعون اللبن في كأس، ويربطون “الحريرة” في أيدي العروسين، مع أداء طقوس محددة لجلب الحظ والفأل الحسن.

وتؤكد أن العادة لم تتغير كثيرًا، وهي مستمرة منذ عهد الجدات، ولا ترى أنها مهددة بالاندثار.

وترتبط “الجرتق” في الوعي الشعبي بجلب الحظ السعيد وحماية العروسين من الحسد، بل يعتقد البعض أنها تجلب الرزق والإنجاب، ما يجعلها عادة لا يمكن الاستغناء عنها، خاصة لدى كبار السن في العائلة.

كما توضح الحاجة خالدة السر أن “الجرتق ليست خرافة كما يظن البعض، بل عادة أصيلة تبعد الحسد، ليس بسبب طقوسها فحسب، وإنما لما يصاحبها من دعوات صادقة بالسعادة والهناء”.

“الجرتق” في زواج الأجانب

ولم تعد طقوس “الجرتق” حكرًا على السودانيين وحدهم، إذ انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع لأجانب أقاموا أعراسهم وفق هذا التقليد.

ففي بعض الحالات يكون أحد الزوجين سودانيًا، وفي حالات أخرى يكون الزوجان أجنبيين مقيمين في البلاد.

وترتدي العروس الثوب السوداني، بينما يظهر العريس بجلابية “السرتي”، مع الالتزام بالطقوس كافة، بما في ذلك الجلوس على “العنقريب”، وهو سرير خشبي يغطى بملاءة حمراء وجريد النخل، ما يعكس اهتمامًا عالميًا بهذه العادة اللافتة.

ترابط اجتماعي ودلالات نفسية

ترى المتخصصة النفسية عفاف إبراهيم حامد أن “الجرتق” تقام اليوم في الغالب كمظهر اجتماعي، وتضيف أن تفاصيلها الجميلة تدفع الناس للتمسك بها، لافتة إلى أنها تطورت في الفترة الأخيرة حتى بات البعض يخصص لها يومًا كاملًا.

وتوضح أن اللون الأحمر الذي يطغى على تفاصيل “الجرتق” يمنحها طابعًا جماليًا خاصًا، لما يحمله هذا اللون من طاقة عالية وفق علم النفس.

وتشير إلى أن الإيمان بقدسية الطقوس كان أقوى في الماضي، بينما تقام اليوم كعادة اجتماعية جميلة ستستمر لسنوات طويلة، لأنها تعبر عن الهوية السودانية وتعزز الترابط الحميمي بين الحضور، خاصة مع الدور المحوري الذي تلعبه الجدة في إدارة المراسم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى