سحر العمارة المملوكية يبعث من جديد في مسجد لانسيت المعاصر الكويت

دعاء رحيل
جاء تصميم المسجد ليعكس توازنًا دقيقًا بين الإرث المعماري الإسلامي والمفاهيم العصرية للتصميم، فالمبنى مستوحى من العمارة المملوكية التقليدية في قلب القاهرة، وتم تشييده بتناغم واضح بين شكل الأرض الطبيعي واتجاه القبلة، ليجسد احترامًا عميقًا للتراث الإسلامي الغني، مع توظيف مبتكر لمبادئ العمارة الحديثة، حيث يحمل الهيكل الخارجي لمسات من الطابع المعاصر تتناغم مع طبيعة الحي المنشأ حديثًا، وتزينه الزخارف الإسلامية التي تخلق بيئة روحانية تجمع بين الماضي والحاضر، تخدم المصلين وتحتضن المجتمع المحيط به.
قصة مسجد لانسيت
استمد المعماريون خطوطهم الأساسية من فن المقرنصات الإسلامية التي شكلت عنصرًا بصريًا رئيسيًا في القبة، وتوافقت هذه العناصر مع نجمة إسلامية ترمز إلى وحدة المسلمين، يتألف المسجد من خمس كتل تعبيرية ترمز إلى الصلوات اليومية الخمس، وتتموضع الكتلة السفلية في اتجاه القبلة كتجسيد لثبات الإيمان، بينما تحاكي الكتلة العلوية تضاريس الأرض، مما يعكس تفاعل البناء مع محيطه الطبيعي، وتلتقي الكتل الثلاث الأخرى في حركة ديناميكية تخلق شكلًا يشبه القُمع، فتنتج مساحة داخلية مفتوحة من دون أعمدة، ما يسهل اصطفاف المصلين ويعزز سلاسة التجربة الروحية.
يتكون التكوين البنائي من خمس كتل تدور بشكل تدريجي كلما صعدنا نحو القبة المركزية، مما يخلق تدرجًا بصريًا سلسًا يربط بين القاعدة الثابتة والجزء العلوي المتناغم مع المكان، وتخترق هذه البنية فتحات قوسية حادة تظهر بوضوح في الواجهات والنوافذ والعناصر الهيكلية المتعددة، وهي تحاكي الجماليات المتعارف عليها في المساجد المملوكية الكلاسيكية، كما تمت إضافة كتلة دقيقة تُكمل شكل النجمة الإسلامية عند النظر إليها من الأعلى، وتُعزز هذه الإضافة من الطابع الفريد للمسجد وتُحدد المداخل الجانبية بدقة.
في الواجهة الأمامية، يتصدر التصميم باب خشبي ضخم يُفضي مباشرة إلى مصلى الرجال الذي يستوعب نحو ستمئة مصل، كما يوجد مدخل آخر يتخذ هيئة نصف قبة، وتزين المساحة الداخلية مجموعة من القباب النصفية الصغيرة التي تسمح بتسلل الضوء الطبيعي، وتشكل بوابة ضوئية جذابة لمصلى النساء، وتنسجم هذه التفاصيل مع باقي عناصر التصميم، ما يعزز من الإحساس بالترابط والوحدة داخل المسجد، كما تنتصب مئذنة عالية تعبر عن روح المسجد، تتموضع بشكل متناغم مع المحور المركزي، وتهبط تدريجيًا لتُشير إلى منطقة المحراب، مما يخلق تكاملًا بصريًا بين الداخل والخارج، ويوجه انتباه المصلين نحو القبلة.
تتجلى البراعة في اختيار المواد المستخدمة، حيث اعتمد التصميم على مكونات تقليدية مأخوذة من العصر المملوكي، مع توظيف حديث للحجر الرمادي والجص الأبيض، وامتزجت هذه العناصر بألوان هادئة تتراوح بين درجات الرمادي والأبيض، مع لمسات معدنية نحاسية تضيف طابعًا رفيعًا، وتغطي هذه المواد مختلف الأسطح الداخلية والخارجية، وتتكامل مع الزخارف الدقيقة والنقوش القرآنية والأعمال المعدنية المتقنة، ما يخلق تجانسًا بصريًا يربط الماضي بالحاضر ويمنح المكان طابعًا فريدًا.
داخل المسجد، يشعر الزائر بتفاعل عميق بين الخامات والضوء والظل، فقد غُطيت الكتل السفلية بالحجر لتعكس الثبات والقوة، بينما اكتست الكتل العلوية باللون الأبيض النقي لإضفاء إحساس بالخفة والانفتاح، وتمتد الآيات القرآنية المكتوبة بخط الثلث على الجدران والفواصل، وتتوزع بشكل مدروس يعكس الطابع المعاصر، ويتخلل الضوء الطبيعي عبر الفراغات التي تُشكلها الكتل المتداخلة، ليُضيء الآيات القرآنية ويمنحها حضورًا بصريًا مميزًا، كما يوجد حاجز منزلق مخفي يفصل بين مصلى الرجال ومصلى النساء، ويُفتح هذا الحاجز خلال شهر رمضان لتوسيع المساحة الداخلية، ما يسمح باستقبال أعداد أكبر من المصلين دون المساس بالشعور بالوحدة والتكامل.
يمثل مسجد لانسيت المملوكي رؤية معمارية متكاملة تعيد إحياء روح العمارة الإسلامية بأسلوب معاصر، حيث يجمع بانسجام بين الموروث الإسلامي العريق والتقنيات الحديثة، ليكون أكثر من مجرد مكان للصلاة، بل فضاء روحي يحتضن المصلين والمجتمع المحلي بكل احترام وجمال.



