زنوبيا سيدة الرمال التي تحدت روما وصنعت أسطورتها الخالدة
في قلب صحراء سوريا الواسعة، حيث تتراقص أشعة الشمس فوق أعمدة تدمر العتيقة، نشأت زنوبيا، تلك الفتاة التي ولدت من رحم الرمال وحملت بين عينيها حلما لا يشبه أحلام الآخرين. لم تكن مجرد امرأة يتغنى بها الناس لجمالها، بل كانت مثالا نادرا للقوة والذكاء والطموح، ووجدت شريكا في مسيرتها هو أذينة، رجل المشرق الذي شاركها بناء حلم لمملكة عظيمة.
من هي زنوبيا
في ريعان شبابها، رحلت زنوبيا إلى الإسكندرية، تلك المدينة التي تفيض علما وثقافة، حيث درست تاريخ الإغريق والرومان وتشبعت بروح كليوباترا وطموحها اللامحدود. عادت إلى تدمر وفي قلبها حكايات المجد، فوجدت في أذينة الشريك الذي رسمت معه أحلام المستقبل، جلسا معا في مجالس الحكم، يخططان لمستقبل مدينتهما ويتخيلان التاج يزين رأسيهما.
لكن رياح القدر هبت بما لا تشتهي سفنهما، ففي عام مئتين وستة وستين إلى مئتين وسبعة وستين ميلادية، رحل أذينة فجأة، ووجدت زنوبيا نفسها وحدها أمام تحديات مملكة بأكملها. ابنها الصغير كان ما يزال طفلا، فحملت عبء العرش بصلابة وإرادة حديدية، ولم تكتف بحماية تدمر، بل سارعت لمد نفوذها شرقا وغربا متحدية روما ذاتها.
قادتها عزيمتها إلى ميادين القتال، فشاركت بنفسها في قيادة الجيوش، وغزت مصر وآسيا الصغرى عام مئتين وسبعين ميلادية، ونصبت ابنها شريكا في الحكم ومنحته لقب الملك، متألقة في عربتها الملكية المحلاة بالذهب والفضة، وكأنها تعلن للعالم أن تاج الإمبراطورية يليق برأسها. اهتمت بتعليم أبنائها لغة الرومان وثقافتهم ليواصلوا حمل شعلة حلمها الكبير.
عاشت تدمر في عهد زنوبيا أزهى عصورها، حيث أقيمت المعابد وشيدت الأعمدة التي ما تزال تروي قصتها رغم صراع الزمن، مثل معبد الشمس واللات، شاهدة على فترة من المجد الاستثنائي. إلا أن طموحها الجارف وضعها وجها لوجه أمام الإمبراطور أوريليان، فدارت المعارك وانتهت بهزيمتها، وأسرت وأخذت إلى روما، حيث انتهت حياتها في ظروف غامضة لا تزال لغزا حتى اليوم.



