تاريخ ومزارات

“سر ثمرة النِبِق في مصر القديمة غذاء للملوك ودواء للأبدية”

 

كتبت شيماء طه

عندما نتحدث عن الحضارة المصرية القديمة، يتبادر إلى الذهن البصل، الثوم، والقمح كعناصر غذائية أساسية، لكن هناك كنز نباتي قلّما تطرّقت إليه الصحافة: ثمرة النِبِق (Ziziphus spina-christi) أو ما عرفها المصري القديم باسم nbs ، هذه الثمرة لم تكن مجرد غذاء، بل كانت جزءًا من الطقوس الجنائزية، ودواءً، ورمزًا للاستمرارية والخلود، مما يجعلها سرًا مثيرًا في حياة المصريين القدماء.

 

النبق: غذاء يومي وقرابين أبدية

أثبتت الدراسات الأثرية وجود بقايا ثمرة النبق في مقابر ما قبل الأسرات، وصولًا إلى مقبرة الملك توت عنخ آمون ، هذا الوجود المستمر يوضح أن المصريين لم ينظروا إليها فقط كغذاء، بل كوسيلة لضمان الطاقة في الحياة الأخرى.

تُجفف الثمار وتُستهلك كما هي، أو تُطحن لصناعة خبز خاص يقدم ضمن القرابين ، هذا الإستخدام الديني يثبت أن النبق ارتبط بالتصور المصري للحياة بعد الموت، تمامًا كما ارتبط القمح بالبعث.

الطب المصري القديم والنبق

لم تقتصر أهمية النبق على الغذاء فحسب، بل لعب دورًا في الطب الشعبي ، وتشير المصادر إلى أن المصريين استعملوا كل جزء من النبات:

الثمار لعلاج اضطرابات المعدة.

الأوراق في تهدئة الالتهابات.

الجذور والخشب في وصفات علاجية نادرة.

هذا التنوع العلاجي جعل النبق صيدلية طبيعية، وهو ما يفسر بقاء مكانته في الثقافة الشعبية حتى اليوم في الريف المصري.

استخدامات أخرى للنبات

بعيدًا عن الأكل والدواء، كان خشب شجرة النبق يدخل في صناعة الأدوات والأثاث البسيط ، هذا الاستخدام البراغماتي يعكس فلسفة المصري القديم في الاستفادة من موارد الطبيعة إلى أقصى مدى.

رمزية النبق في العقيدة المصرية

وجود الثمرة داخل المقابر لم يكن مجرد صدفة ، فالمصريون آمنوا أن النبق يمنح الروح غذاءً للرحلة الأبدية، ليصبح رمزًا للحياة بعد الموت. وهذا الجانب الرمزي لا يقل أهمية عن قيمته الغذائية والطبية.

لماذا لم يُسلط الضوء على النبق من قبل؟

رغم وجود دراسات أكاديمية حديثة (مثل دراسة الباحثة رهام الشيواي 2023 المنشورة في Journal of Association of Arab Universities)، لم يحظَ النبق بنفس الاهتمام الإعلامي الذي نالته محاصيل مثل القمح أو الكتان ، ربما يعود ذلك إلى قلة المصادر النصية المباشرة عنه مقارنة بمحاصيل أخرى، لكنه يظل شاهدًا مهمًا على تنوع الثقافة الزراعية والغذائية في مصر القديمة.

وهكذا تكشف ثمرة النبق عن جانب غير مألوف من الحياة المصرية القديمة: نبات صغير لكنه حمل معاني كبرى، من الغذاء والدواء، إلى الرمزية الروحية في الخلود.
إن إعادة إحياء هذا الموضوع في الصحافة المعاصرة ليس مجرد إضاءة على تفصيلة أثرية، بل استعادة لجزء من ذاكرة المصريين الذين صنعوا حضارة خالدة، حيث لم يكن شيء في حياتهم عابرًا أو بلا معنى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى