كتابنا

د. صلاح سلام يكتب…

 مصر العروبة

 

لقد كان الخط الواضح منذ ثورة ٣٠ يونيو لمصر هو التقارب الخليجي والذي شكل محورًا إستراتيجيًا أصبح مع مرور الزمن قوة إقليمية يُحسب لها ألف حساب. وقد كان لي شرف لقاء السيد الرئيس أثناء ترشحه في الفترة الأولى مع صحبة وطنية في فندق الماسة وكان يستمع لكل منا باهتمام ويسجل كعادته ملاحظاته.

 

وقد طرحت في حديثي لسيادته أننا نتمنى أن يكون مجلس التعاون الخليجي المصري، وليس الخليجي فقط، وأن يتم الاتصال الجغرافي عبر سيناء بما تملكه مصر من قوة بشرية وجيش قوي يتكامل مع القوة الاقتصادية لدول الخليج. ونستطيع أن نقول إن هذا قد حدث إلى حد ما، ولكن ليس بالمسمى الذي طرحته، ولكنه كواقع عملي هناك اتفاق ضمني أن أمن الخليج من أمن مصر وبالعكس، ولا نستطيع أن ننسى وقفة هذه الدول السياسية والاقتصادية مع مصر في منعطف تاريخي حاد في أعقاب القضاء على حكم الإخوان واسترداد الوطن لأهله والوقفة الشجاعة للملك عبدالله والأمير سعود الفيصل رحمهما الله.

وكذلك دول الإمارات والكويت والبحرين.. أما المحور الذي كاد أن يكون خنجرًا في خاصرة الوطن فهو مصر- ليبيا والذي تم التعامل معه تارة بإظهار القوة وتارة أخرى بالقوة الناعمة، بعد رسم خطوط إستراتيجية وأخرى تكتيكية والتي أدت في النهاية إلى تشكيل مجلس رئاسي وحكومة موحدة، وكلاهما كانت وجهته الأولى هي مصر، ويعد هذا انتصارًا تاريخيًا بعد أن كادت تركيا أن تسيطر على مقدرات وثروات البلد والجار الشقيق، وتمخض نجاح هذا المحور والذي جنّدت فيه مصر علاقتها بالدول الأوروبية الصديقة والتي كانت علاقتها بتركيا على المحك، لتحرشها باليونان ، حيث استطاعت الدبلوماسية المصرية استخدام كل هذه المعطيات لتحقق ما أرادت مما اضطر تركيا إلى تغيير دفة سياستها تجاه مصر، لتتحول إلى الغزل السياسي والاستعداد للتفاهم وتحجيم الأبواق الإخوانية المعادية التي تنطلق من إسطنبول.

 

ومصر العروبة لم تمانع ..فالرجوع إلى الحق فضيلة، ولكن مازلنا في انتظار الخطوات العملية لسحب الميليشيات من ليبيا والتصرف النهائي نحو قنوات الضلال التي لا تبث إلا السموم ولا تعترف بالواقع الذي فرض نفسه على المنطقة بالكامل.. ويأتي تتويج ترسيخ المحور المصري السوداني سواء بالجنوب بزيارة تاريخية..ثم زيارة أخرى للسودان ذاته بعد تمهيد دبلوماسي واستخباراتي ..فكان هذا درة التاج ليس فقط لمواجهة صلف الجانب الإثيوبي وموقفه المتغطرس في تقاسم مياه النيل والذي يمثل حق الشعبين في الحياة، وإنما عودة التكامل المصري السوداني في الاقتصاد والزراعة والنقل والمواصلات وعودة روح وادي النيل التي عشناها منذ كنا مملكة واحدة وصولا إلى برلمان وادي النيل في زمن الرئيس السادات وزمن الوحدة واتحاد الجمهوريات.. هكذا عشنا مع السودان، شعب واحد في بلدين ولابد أن نظل هكذا، فالدم واحد والمصير واحد والجسد واحد.. ثم يأتي محور جديد كان من المفترض تدشينه في هذه الأيام لولا الأحداث القدرية المؤسفة التي مرت بنا هذا الأسبوع.

 

فقد كان مقررًا أن يعلن عن التعاون العراقي المصري الأردني لتكتمل الدائرة بزيارة تاريخية للزعيم والقائد الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبدالله إلى بغداد، ليعود الخط الساخن القاهرة – بغداد وتنتقل كتائب التعمير مرة أخرى لبناء العراق الجديد، ويكون النفط مقابل الإعمار شريانًا جديدًا لحياة شعوب هذا المحور. فليس جديدًا على السواعد المصرية التي كانت سندًا للعراق في حربه ضد إيران في الثمانينيات وبعدها، حيث كان يعيش على أرضه قرابة الخمسة ملايين مصري قبل حرب الخليج، فلنعد مرة أخرى لبناء أحد أركان العروبة، وقد وهبها الله أخيرًا قيادة ذكية ومنفتحة.

 

وهكذا هي مصر العروبة دائمًا تمتد سواعد أبنائها لبناء الوطن العربي بعد الحروب التي خلفتها المؤامرات أو ثورات الربيع العربي المزعومة، والتي لم نجنِ منها إلا مزيدًا من القتل والدمار والتشريد والفقر.. وستظل مصر نقطة التقاء كل المحاور وتاج العلاء في مفرق الشرق وسنظل نشدو ما حيينا “وطني حبيبي الوطن الأكبر” مع القائد والزعيم الذي يرسخ كل يوم مفاهيم جديدة لرأب صدع الأمة العربية بأكملها بخطوات واثقة ومتزنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى