تاريخ ومزارات

مقابر بني حسن في المنيا.. متحف مفتوح على جدران الزمن الفرعوني

أسماء صبحي – تعد محافظة المنيا من أغنى محافظات مصر بالمواقع الأثرية التي تسرد فصولًا مهمة من التاريخ المصري القديم. ومن بين هذه المواقع، تتألق مقابر بني حسن الواقعة على الضفة الشرقية لنهر النيل جنوب مدينة المنيا. وتمثل هذه المقابر التي تعود إلى عصر الدولة الوسطى، متحفًا مكشوفًا يحكي تفاصيل دقيقة عن الحياة السياسية والاجتماعية والدينية قبل أكثر من أربعة آلاف عام. ولا تزال النقوش الجدارية المدهشة تحتفظ بألوانها الأصلية، لتمنح الزائرين نافذة بصرية نادرة على حضارة مصر القديمة.

الموقع الجغرافي وأهميته

تقع المقابر في منطقة جبلية تطل على نهر النيل بالقرب من قرية بني حسن الشروق التابعة لمركز أبو قرقاص. وتكمن أهمية هذا الموقع في كونه مقبرة لحكام الإقليم السادس عشر من أقاليم مصر العليا. والذين عاشوا خلال الأسرة الحادية عشرة والثانية عشرة.

وبنيت المقابر في الصخر على مرتفعات الجبال لتطل على السهل الزراعي. وهو ما يعكس رمزًا للقوة والسيطرة الإدارية، حيث يستطيع المتوفى الإشراف رمزيًا على الأرض التي حكمها في حياته. كما أن موقعها يمثل نقطة استراتيجية مهمة بين الجنوب والشمال، ما جعل منها مركزًا للتبادل التجاري والزراعي.

الطراز المعماري لـ مقابر بني حسن 

تميزت المقابر بطراز معماري فريد، فهي محفورة كليًا في الجبل الجيري. وتتضمن قاعات داخلية ذات أعمدة منحوتة من نفس الصخر. ويعد الأسلوب المعماري فيها انعكاسًا لفكر الدولة الوسطى الذي يوازن بين البساطة والقوة.

أما من الناحية الفنية، فتعد جداريات المقابر من أغنى الجداريات المصرية القديمة من حيث الموضوعات والتفاصيل. فهي تصور مشاهد الحياة اليومية مثل المصارعة، وصيد الطيور والأسماك، وصناعة الحرف، والنسيج، والحفلات، والجنائز. إضافة إلى مشاهد فريدة لوصول وفود أجنبية. وقد استخدم الفنان المصري القديم الألوان الطبيعية بإتقان. ولا تزال هذه الألوان حاضرة بقوة حتى اليوم رغم مرور آلاف السنين.

أشهر المقابر في الموقع

من بين المقابر الأربعين، هناك أربع مقابر تعد الأشهر والأكثر زيارة من قبل الباحثين والسياح. أولها مقبرة خيتي (BH17) التي اشتهرت بنقوش المصارعة، وتعتبر بمثابة أرشيف بصري لرياضة المصارعة في التاريخ القديم. أما مقبرة باكت (BH15)، فتضم مناظر رائعة لصيد الأسماك والطيور، وتفاصيل عن الزراعة والجنائز.

وتأتي مقبرة خنومحتب (BH3) كواحدة من أغنى المقابر في المنيا. وتعرف بمنظر الوفد الآسيوي الذي يقدم الهدايا، وهو مشهد وثائقي يكشف طبيعة العلاقات بين مصر والشعوب المجاورة آنذاك. أما مقبرة أمني (BH2)، فهي مصدر مهم لفهم الحياة الزراعية والنقل والتخزين. حيث تصور مشاهد الفلاحين وهم يعملون في الحقول ويحصدون المحاصيل.

القيمة الأثرية والعلمية

تشكل المقابر مصدرًا غنيًا للمعلومات عن عصر الدولة الوسطى، من الناحيتين السياسية والاجتماعية. فهي تكشف عن استقلالية نسبية لحكام الأقاليم، ودورهم الكبير في إدارة شؤون مناطقهم. كما تعكس النقوش تفاصيل عن العلاقات بين الرجل والمرأة. وتظهر المرأة في مواقع عمل وتفاعل اجتماعي، مما يدل على دورها الحيوي في المجتمع.

إلى جانب ذلك، فإن النقوش تظهر مشاهد نادرة عن الرياضات والحرف والفنون. ويؤكد الدكتور جمال عبد الرحيم، أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، أن بني حسن ليست مجرد مقابر، بل هي سجل بصري وثائقي للحياة المصرية بكل أبعادها خلال الدولة الوسطى. وقد ألهمت النقوش العديد من الفنانين وعلماء الآثار حول العالم.

أعمال الترميم والحماية

في العقود الأخيرة، بدأت وزارة السياحة والآثار المصرية في تنفيذ مشروعات ترميم كبيرة للمقابر. بالتعاون مع بعثات أثرية دولية مثل بعثة جامعة درهام البريطانية. وشملت هذه المشروعات تثبيت ألوان النقوش الجدارية، ومعالجة التآكل الصخري الناتج عن عوامل التعرية. إلى جانب تركيب نظم إضاءة حديثة تتيح للزائرين مشاهدة التفاصيل الدقيقة دون التأثير على النقوش.

كما تمت تهيئة المسارات الداخلية والخارجية للموقع ليكون أكثر أمانًا وتنظيمًا. وتسعى الوزارة حاليًا لتسجيل الموقع ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، لما له من قيمة أثرية وإنسانية كبيرة.

الوصول إلى مقابر بني حسن

يمكن الوصول إلى مقابر بني حسن بسهولة من مدينة المنيا عبر طريق صحراوي يربط قرية بني حسن بالموقع الأثري. وتبعد المقابر حوالي 20 كيلومترًا عن مركز أبو قرقاص. كما يمكن للزائرين القدوم من القاهرة بالقطار أو السيارة. ومن ثم استئجار وسيلة مواصلات محلية للوصول إلى الموقع.

وتستقبل المقابر الزوار يوميًا من الساعة 9 صباحًا حتى 5 مساءً، وتتوفر في الموقع تذاكر دخول. ومرشدون سياحيون متخصصون لمرافقة الزائرين وشرح تفاصيل كل مقبرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى