المزيدكتابنا

اللواء أحمد زغلول مهران يكتب..

 

«سد النهضة بين الحقيقة والخيال»

 ثقتنا فى قيادتنا ليس لها حدود، أخبار كثيرة تتناقلها وسائل الإعلام عن الاستثمارات الدولية داخل إثيوبيا مما زاد البلبلة بالنسبة للشعب المصرى عن طبيعة هذه الاستثمارات، لذا يجب أن ندرك بعض الثوابت ..

إثيوبيا اتحاد فيدرالي يضم تسعة أقاليم لعدد كبير من العرقيات التي تنتمي لقبائل مختلفة، في صراعات دائمة، حتى في داخل الإقليم الواحد وليس فقط بين الأقاليم وبعضها البعض، ولذا فهي بلد تعيش دائما في قلاقل داخلية وليست متحدة الجبهة، وهذا كان أحد أسباب إقامة السدّ كرمز للتنمية يتوحد من ورائه كل الإثيوبيين بعرقياتهم المختلفة، كما تتوحد الفئات المتنافرة وراء مشروع قومي كمشروع السد ..

 

لدى إثيوبيا مياه غزيرة جداً، فهي واحدة من أغنى بلاد العالم في المياه الطبيعية، ولكنها فقيرة جداً في التنمية.. لديها 74 مليون هكتار من الأراضى الزراعية، لكن 5.12 مليون فقط منها مزروعة بالمزروعات البستانية مثل الزهور والخضروات والفواكه للتصدير. فلا نتعجب من أن يعتدي الأهالي على أراضى السودان الخصبة في الفشقة الكبرى والصغرى.. ولكن لغزارة الأمطار في إثيوبيا تنمو الأعشاب بسهولة جداً، ولذا فعدد المواشي الكبير لديها يجد غذاءه بسهولة .. إثيوبيا بلد فقير، وتعدادها يزيد على 100 مليون نسمة، ولكنهم فقراء بشكل واضح، ولذا فاليد العاملة رخيصة لوجود أيدٍ كثيرة ولا يوجد عمل يكفى الجميع. وعندما ندرك أن الأيدي العاملة هناك أرخص بكثير من الأيدي العاملة الصينية، لذا يجب أن نفهم اهتمام الصين بإثيوبيا ..

 

اجتاحت الصين العالم برخص منتجاتها، لأنها استخدمت أيدي رخيصة للإنتاج، ولكن عندما بدأت الصين تزدهر بدأ مستوى المعيشة بها يعلو، وبالتالي زادت أجور الأيدي العاملة. وللحفاظ على المعادلة بدأت الصين تبحث عن أرخص أيدٍ عاملة، فذهبت للعالم الثالث، وخصوصًا أفريقيا ووجدت الصين في إثيوبيا ضالتها.. نهجت الصين أسلوبًا في التعامل الاقتصادي مع الدول الأخرى، وعندما نعرف أنها “أقرضت” إثيوبيا ما يقرب من 3 مليارات دولار، ندرك أن أديس أبابا الآن قد وقعت فريسة في براثن الصين، ولا يمكن لإثيوبيا أن تدفع هذا الدَين لأنها ليس لديها موارد لسد فوائد الدين، ناهيك عن الدَين نفسه، ومن يعرف أسلوب الصين في مثل هذه الظروف، فهي تشترط رهن أحد الأصول مقابل القرض، كما فعلت مع اليونان ومينائها على البحر المتوسط الذي سيطرت عليه مقابل الدَين الذي لم تتمكن اليونان من سداده، ولم تهتم الصين بالسد، ولا تريد الدخول في مواجهة مع مصر، لأن مصر مهمة بالنسبة لها في تنفيذ طريق الحرير وخصوصًا قناة السويس ..

 

لكن الصين مهتمة بتسويق بضاعتها المنتجة بأسعار زهيدة جدًا في إثيوبيا، ولذا فلابد من إيجاد ميناء لتصديرها، وبما أن لديها قاعدة عسكرية في جيبوتي فلمَ لا تؤسس ميناء باسم إثيوبيا هناك لتصدير البضاعة منها للعالم؟ فهل هذه هى “القاعدة البحرية” التي تكلم عنها آبي أحمد أن إثيوبيا بصدد تأسيسها؟ ولكن أين القوة البحرية لهذه القاعدة وإثيوبيا بلد حبيس؟.

 

ما موقف الصين من قضية السد؟ كما موقفها من قضايا كثيرة جدًا حول العالم، طالما لا يمسّ تجارتها من قريب أو بعيد فهو شيء لا يهمها إطلاقًا، وبما أن مصر مهمة بالنسبة لخطتها لاستكمال طريق الحرير، لذا فلن تعادي القاهرة ولكنها أيضًا لن تتورط بأي شكل في مشكلة مصر مع إثيوبيا.. هل هجوم مصر على إثيوبيا لتأمين مصدر المياه والحياة للمصرين سيضر الصين بأي طريقة؟ لا بالعكس كلما افتقرت إثيوبيا أكثر كلما زادت فرص الصين في اقتناء كل ما تريده منها، القرض الذي وصل إلى 3 مليارات دولار من الصين لإثيوبيا، كان من المفروض لتأسيس شبكة نقل الكهرباء من السد إلى إثيوبيا ثم إلى إفريقيا ولكنه لم يستخدم لذلك بل يبدو أنه اُستخدم لاستكمال السد ، ومع ذلك فالسد مازال غير قادر على توليد أي نوع من الكهرباء، وهذا لأن هناك مشكلة في التوربينات المولدة لها ووضعها في السد، ويبدو أن هذه ليست بالمشكلة الوحيدة التي تقابل السد، فلكي يتم الملء الثاني المخطط له أن يكون حوالي 5.13 مليار متر مكعب من المياه، فلابد من تعلية الجزء الأوسط من السد لحجز هذا الكم من المياه المنتظر وصوله مع فيضان شهر يوليو القادم، ولكن صور الأقمار الصناعية والصور العادية من الأرض كلها تظهر عدم ارتفاع هذا الجزء ولا حتى متر واحد وهذا بناءً على تصريحات الخبراء ..

 

إذاً ما سرّ كل التصريحات النارية الصادرة من آبي أحمد ومن المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية دينا موفتى عن بناء عدد مهول من السدود في كل إثيوبيا، وعن أن المياه هى الثروة القومية للبلد ولهم حق استغلالها كما يحلو لهم؟ ولماذا هذا الكلام عن قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر؟ هل كل ذلك لإثارة مخاوف العالم على سلامة التجارة العالمية عبر البحر الأحمر وقناة السويس؟.. لكن أين الأسطول الذي سيقوم بهذا التهديد؟ للأسف يبدو أن إثيوبيا في تصريحاتها قد فقدت حتى المنطق، لأن الواقع على الأرض يختلف اختلافًا جذريًا عما تريد تصديره للعالم، وقد يكون هذا هو السر وراء الهدوء المصري من جهة التصريحات المتزنة الخاصة بأن مصر ستحمي حقوقها الشرعية عندما تمسّها إثيوبيا. والترجمة الحرفية لذلك أن مصر ستستخدم القوة لمنع إثيوبيا من أخذ جزء من حصة مصر في المياه لملء السد، ولكن لو لم يتم ملء السد بما يؤثر على حصة مصر فما داعي التدخل ولا ضرر قد طال مصر؟ وهل كل هذه التصريحات الاستفزازية من المسؤولين الإثيوبيين هي لإثارة المصريين للضغط على حكومتهم لضرب السد، ولا يوجد داعٍ لذلك، لعدم قدرة إثيوبيا على ملئه بما يضر مصر؟.

 

السياسة بها الكثير من التمويه، وكما رأينا في حرب 1973 كم استفادت مصر من ذلك، ولذا فمصر لديها الأدوات التي تعطيها المعلومات المطلوبة لتقدير الموقف على حقيقته، لكي تتخذ القرار الصائب وفي الوقت المناسب. وللتوقيت عامل كبير، كما هو واضح حتى الآن. إثيوبيا غير قادرة على تعلية السد بالقدر الكافي لحجز الكم المخطط له من المياه في الملء الثاني، فمصر لن تضار إطلاقًا، ولكن لو أوهمت إثيوبيا المصريين بأنها ستقوم بالملء بالكامل وأنها في نيتها استفزاز مصر ببناء عدة سدود أخرى لحرمان مصر من كل المياه، وأنها تهدد قناة السويس والملاحة بها بإيقاف السفن المبحرة إليها عبر مضيق باب المندب، حتى تقوم مصر بضرب السد، أليس ذلك تمويها يفيد إثيوبيا؟ إذاً فما هدفها من ذلك؟.

 

بدأ العُقد ينفرط في الداخل الإثيوبي من ناحية تماسك الاتحاد الفيدرالي بين الأقاليم، وقد بدأ ذلك من إقليم تيجراي، وتعامل إثيوبيا مع هذا الإقليم كان كارثيًا، إذ أنها استعانت بإريتريا في محاولة إخماد هذا التمرد، وكان التعامل في منتهى الوحشية وتمت التصفية العرقية لأهالي تيجراي وفرّ ما يقرب من 10 ملايين من الأهالى من الحرب الوحشية هناك، وبدأت الأمم المتحدة تلفت النظر لذلك وتعترض وتشجب وتندد حتى تحركت أمريكا وبدأت بالعقوبات الاقتصادية ضد الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وبعض أفراد من الإريتريين للمجازر الوحشية التي تُقترف في حق إقليم تيجراي، وبدأت روح التمرد تتسرب لأقاليم أخرى.. والآن نجد إقليم بني شنقول يطلب العودة إلى السودان التي يعتبرها أهالي بني شنقول بلدهم الأصلي، ولذا فوضع إثيوبيا الداخلي في منتهى الصعوبة، ولو لم يتم الملء الثاني كما تفاخر به آبي أحمد ولم يتم ضرب السد، ستنهار إثيوبيا لأسباب اقتصادية وسياسية داخلية لا يمكن تفاديها أو استخدامها لإنقاذ موقف آبي أحمد ..

 

أخيرًا هناك انتخابات قريبة، وقد يفوز بها آبي أحمد، لأن الشعب مازال مقتنعًا بأن الملء الثاني سيحدث بالكامل في تحدٍ سافر لمصر والسودان والعالم كله، ولكن لو أُجلت هذه الانتخابات لما بعد الملء الثاني قد لا يوجد بلد فعلاً اسمه إثيوبيا للإدلاء بصوته.

 

ولذا نجد هذه الهستيرية الرسمية فى التصريحات الإثيوبية، ولذا مصر واضعة قواتها لمساندة القوات السودانية على حدود إثيوبيا، ولكنها لا تتكلم إلا عن الحل السلمي، وهذا ما يجنّ جنون إثيوبيا .

____________

* نُشِر المقال في العدد (12) يونيو 2021م، العدد الورقي لـ «مجلة صوت القبائل العربية والعائلات المصرية»، ص3.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى