اليوم الثالث.. أيمن حافظ عفره يكتب: تعانق الصيامين… رسائل السماء للتكاتف والمحبة
حين يتزامن الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مع شهر رمضان المبارك،لا يكون المشهد مجرد تقاطع في التقويم، بل لحظة رمزية مفعمة بالدلالات؛ كأن السماء تبعث برسائلها إلى وطن واحد.. تقول فيها: تقاربوا… تحابوا… تمسكوا بخيط الرحمة الذي يجمعكم.
فالصوم في المسيحية نسكٌ بالجسد يسمو بالروح، ومدرسة يومية للانضباط والتأمل ومراجعة الذات. وفي الإسلام هو عبادة تُزكّي النفس، وتُهذّب السلوك، وتغرس في القلب معاني الصبر والتقوى. قد تختلف الطقوس وتتنوع الصلوات، لكن الغاية تظل واحدة: قلبٌ أنقى، ونفسٌ أصفى، وإنسانٌ أقرب إلى خالقه.
وحين يصوم المسلم والمسيحي في الأيام ذاتها، تتعانق المعاني قبل أن تتعانق المواقيت. يصبح الامتناع عن الطعام والشراب اختيارًا مشتركًا من أجل قيمة أعلى؛ قيمة الإيمان، وكسر الأنانية، واستحضار معاناة المحتاجين. في البيوت المصرية، تتجاور موائد الإفطار مع موائد الصوم النباتي، ويعلو صوت الأذان في المساء، فيما تتردد الترانيم في الكنائس، في لوحة روحية فريدة لا يعرف سر جمالها إلا هذا الوطن.
كأن السماء أرادت أن تؤكد أن مصر، بكل أطيافها، قادرة على أن تجتمع حول المعنى الأسمى: الخير. أن يرفع المسلم يديه بالدعاء، ويرفع المسيحي قلبه بالصلاة، وفي اللحظة نفسها يكون الوطن بأكمله في حضرة الله، متجردًا من الضغائن، ومتحررًا من ضيق الأفق.
فإن تعانق الصيامين ليس صدفة عابرة، بل رمز متجدد لوطن تعلّم عبر تاريخه الطويل أن الاختلاف ثراء، وأن التنوع قوة، وأن الإيمان — مهما اختلفت طرق التعبير عنه — يصب في نهر المحبة ذاته. إنها رسالة واضحة بأن الروابط الإنسانية أعمق من أي خلاف، وأن المشتركات أكبر من كل الفوارق.
وفي زمن تتسارع فيه التحديات، تأتي رسائل السماء لتذكّرنا بأن التكاتف ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة وجود. أن يتحول الصوم من عبادة فردية إلى حالة جماعية من التراحم؛ نطعم فيها جائعًا، ونواسي فيها حزينًا، ونُصلح فيها ما انكسر بين القلوب. أن يكون الجوع مدخلًا للشعور بالآخر، وأن تكون الصلاة جسرًا للسلام الاجتماعي.
تعانق الصيامين هذا العام يهمس لنا بأن مصر أقوى حين تتوحد، وأجمل حين تحتضن تنوعها، وأقرب إلى السماء حين يقف أبناؤها صفًا واحدًا، بدعاءين… وقلب واحد.تلك هي رسائل السماء:
أن نحب بلا شروط،أن نتكاتف بلا حسابات،وأن نؤمن بأن الوطن الذي يجمعنا، أكبر من أي اختلاف… وأبقى من أي عابر.


