تاريخ ومزارات

المماليك صُنّاع فن القتال في مصر

 

كتبت شيماء طه

شهدت مصر في عهد المماليك ازدهارًا غير مسبوق في فنون القتال والتنظيم العسكري، إذ نجح هؤلاء الفرسان القادمون من خلفيات مختلفة في تحويل مصر إلى قوة إقليمية كبرى قادرة على مواجهة أخطر القوى في العصور الوسطى، وعلى رأسها المغول والصليبيون. لم يكن حكم المماليك مجرد فترة سياسية، بل كان مرحلة إعادة تشكيل حقيقية للفكر الحربي وفنون القتال في التاريخ المصري.

منذ تأسيس دولتهم في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، أدرك المماليك أن بقاءهم في الحكم مرهون بتفوّقهم العسكري. لذلك أسّسوا منظومة تدريب صارمة تهدف إلى إعداد المقاتل الكامل. كان المملوك يُجلب صغيرًا من آسيا الوسطى أو القوقاز، ويُدرّب في مدارس عسكرية متخصصة تُعرف باسم “الطباق”، حيث يتعلم الفروسية، والرماية، وفنون المبارزة، والقتال الجماعي. كان التدريب يتم تحت إشراف قادة محترفين، يزرعون في المقاتل الانضباط، والولاء، والقدرة على اتخاذ القرار في أرض المعركة.

لم يكتفِ المماليك بإتقان فنون القتال التقليدية، بل أدخلوا تحسينات ملحوظة على الأسلحة والتكتيكات. استخدموا القوس المركب الذي امتاز بدقته وقوته، إلى جانب السيف المنحني الذي منحهم سرعة في المواجهات القريبة. كما طوّروا الرمح الطويل والدروع المعدنية، وجعلوا من الخيول عنصرًا رئيسيًا في المعركة بفضل تدريبها على المناورة السريعة والتحمل. كانت الفروسية بالنسبة إليهم ليست مهارة عسكرية فحسب، بل شرفًا وطقسًا من طقوس البطولة.

في ساحة المعارك، أثبت المماليك كفاءتهم الفائقة. ويُعدّ انتصارهم في معركة عين جالوت عام 1260م من أبرز الأمثلة على براعتهم القتالية، إذ تمكنوا بقيادة السلطان سيف الدين قطز من هزيمة جيوش المغول التي لم تكن قد خسرت معركة من قبل. استخدم المماليك في تلك المعركة تكتيك “التراجع الكاذب” لجذب العدو ثم الإطباق عليه بقوات الفرسان والرماة، في مشهد أصبح مثالًا يُدرّس في فنون الحرب حتى اليوم.

كما كان للمماليك دور حاسم في تحرير المدن الساحلية من الصليبيين، إذ ابتكروا أساليب اقتحام متطورة، واستعملوا آلات الحصار، والأنفاق لتقويض تحصينات العدو. وقد ساعدهم تنظيمهم الصارم على الحفاظ على وحدة الجيش وتماسكه في مواجهة أعداء يفوقونهم عددًا وعتادًا.

لم يقتصر تأثير المماليك على عصرهم فقط، بل تركوا إرثًا عسكريًا طويل الأمد. فقد أسسوا نموذجًا للجيش المحترف في العالم الإسلامي، وأسهموا في ترسيخ مفاهيم التدريب الدائم والانضباط العسكري. وحتى بعد سقوط دولتهم على يد العثمانيين، ظل النظام المملوكي مرجعًا في دراسة فن القتال والفروسية العربية.

إن تجربة المماليك تمثل مرحلة ذهبية في تاريخ مصر العسكري، جمعت بين الشجاعة والانضباط والابتكار. وبفضلهم، أصبحت مصر مركزًا رئيسيًا لفنون الحرب في العالم الإسلامي، ومثالًا على كيف يمكن للتنظيم والمهارة أن يصنعا المجد من قلب المعاناة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى