عادات و تقاليد

احتفالات البحرين التراثية للأطفال بين فرحة الطفولة وعبق الماضي

تتنوع الاحتفالات الشعبية للأطفال في البحرين، وتعكس هذه المناسبات ارتباط المجتمع البحريني بتراثه الأصيل، ومن بين أبرز هذه الاحتفالات الشعبية ثلاثة مظاهر رئيسية، هي الحية بيه، والقرقاعون، والينون، حيث يجتمع فيها التراث بالبهجة والروح الجماعية في مشاهد مليئة بالفرح والحنين.

احتفالية الحية بيه ومشهد البحر المقدس

في مساء وقفة عرفة، اليوم الذي يقف فيه الحجاج على صعيد عرفات، يستعد أطفال البحرين منذ أيام لهذه المناسبة بطقوس خاصة، تبدأ بزراعة حبوب الحلبة والعدس أو القمح في أوانٍ صغيرة، يسقونها يوميًا ويراقبون نموها، حتى تكتمل الصورة الخضراء التي تعبّر عن الحياة والنماء.

عندما يحين الموعد، يرتدي الأطفال ملابسهم التقليدية، وتتجه مجموعات منهم نحو سواحل البحر، يحملون بين أيديهم نبتاتهم الصغيرة التي كبرت خلال الأسبوع، وهناك، وعلى وقع الأغنية الشهيرة حية بيه راحت حية، ويات بيه، على درب الحنينية، يرمون تلك النباتات في البحر تعبيرًا عن توديع موسم، واستقبال آخر جديد بالفرح والدعاء.

يتميّز هذا الاحتفال بأجوائه الشعبية التراثية، فالبنات يرتدين البخنق المطرز بخيوط الزري الذهبية، بينما يرتدي الأولاد الثياب التقليدية، وتمتلئ الوجوه بالفرح، وتنبض الأجواء بتراث الأجداد الذي لا يزال حاضرًا بقوة، بفضل تمسك البحرينيين بعاداتهم، ودور الجمعيات الثقافية في الحفاظ على هذه الطقوس التي تُعدّ من أبرز فعاليات عيد الأضحى المبارك.

القرقاعون بين ألحان الطفولة وعبق رمضان

في منتصف شهر رمضان، يطل على الأطفال في البحرين والخليج العربي احتفال القرقاعون، ذلك الطقس الرمضاني الذي يبعث الفرحة في النفوس، ويجعل الشوارع تنبض بالحياة.

في هذه المناسبة، يرتدي الأطفال ملابسهم التقليدية، وتحمل البنات حقائبهن الملونة، بينما يخرج الأولاد بثيابهم الشعبية، يدقون أبواب الجيران ويغنون أهازيج القرقاعون، فتتفتح القلوب، وتستقبلهم الأيادي بالحلويات والمكسرات مثل البندق والحلوى المحلية.

أما زي البنات، فيتميز بارتداء البخنق، وهو غطاء شفاف من قماش الشيفون أو الجورجيت المطرز بخيوط ذهبية، وتزينه حليّ تقليدية مثل الهلال الذهبي، ويجمع هذا الزي بين البساطة والأناقة، رغم تطور الموضة في العصر الحالي، حيث أصبحت الأزياء أكثر تنوعًا وتوفرت بألوان زاهية.

أما الأولاد، فكانوا في الماضي يكتفون بارتداء الثوب والقحفية، ولكن في وقتنا الحاضر، يحرص الأهل على تزيين أبنائهم بملابس مثل السديري والدقلة، مما يضيف لمسة احتفالية مميزة ويعزز من الهوية الشعبية لهذه الليلة التي تظلّ محفورة في الذاكرة كواحدة من أجمل ليالي رمضان.

الينون احتفال السن الأول وفرحة الأسرة

من أجمل الطقوس التي يحتفل بها أهل البحرين عند نمو أول سن للطفل هو ما يُعرف بـ الينون، وهو تقليد عائلي دافئ يجمع الأقارب والأصدقاء حول الفرحة الصغيرة التي تكبر في قلوب الجميع.

يبدأ الاحتفال بدعوة المقربين لحضور المناسبة، ويوزع المضيفون أكياسًا تحتوي على الحلوى والمكسرات والهدايا الصغيرة، ثم يُجلس الطفل في وسط المكان ويبدأ الجميع بنثر الحلوى والنقود والمكسرات فوقه، وسط ضحكات الأطفال وفرحة الأهل، في مشهدٍ يعكس التلاحم الأسري واهتمام المجتمع البحريني بتوثيق اللحظات الجميلة في حياة أفراده.

تعد هذه العادة من العادات التي ترسّخ معنى الفرحة الجماعية، وتعزز من روح المشاركة والاحتفال بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع ذكريات كبيرة لا تنسى.

تراث ينبض بالحياة

تجسد هذه الاحتفالات الثلاثة ارتباط البحرينيين القوي بجذورهم، فهي ليست فقط مناسبات للفرح، بل هي دروس حية في الوفاء للهوية، والاحتفاء بالماضي، وبناء ذاكرة جماعية تستند إلى الألوان والأهازيج والملابس والقصص التي تنتقل من جيل إلى آخر.

ففي كل عام، يعيد أطفال البحرين إحياء هذه العادات، في تفاعل حي مع الزمن، لتبقى البحرين نموذجًا حيًا لمجتمع يحترم تراثه ويصنع منه جسورًا نحو المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى