تاريخ ومزارات

جامع أحمد بن طولون.. عبق التاريخ وروعة العمارة الإسلامية

أسماء صبحي – في قلب القاهرة القديمة، يقف جامع أحمد بن طولون كواحد من أقدم المساجد القائمة في مصر والعالم الإسلامي. محتفظًا بهيبته المعمارية وملامحه الأصلية منذ أكثر من ألف عام. ويروي المسجد قصة تأسيس الدولة الطولونية التي حكمت مصر في القرن التاسع الميلادي. ويعد تحفة فنية نادرة تمثل العمارة الإسلامية المبكرة، لا سيما الطراز العباسي الذي تأثر بالفن المعماري في العراق.

تاريخ جامع أحمد بن طولون

بني المسجد عام 263 هـ (876 م) على يد الأمير أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية في مصر. التي كانت أول دولة مستقلة عن الخلافة العباسية منذ الفتح الإسلامي لمصر. وأراد أحمد بن طولون أن يكون المسجد جامعًا وجامعةً ومكانًا لتجمع المسلمين. وكان يعكس أيضًا طموحه في بناء دولة قوية ذات طابع عمراني متقدم.

وقد أُقيم المسجد على جبل يعرف بجبل يشكر، وهي منطقة كانت تقع خارج حدود مدينة الفسطاط في ذلك الوقت. لكنه اليوم يقع في قلب القاهرة الحديثة بمنطقة السيدة زينب.

الطراز المعماري الفريد

يتميز الجامع بتصميمه المعماري المستوحى من الطراز العباسي. وقد شيد بالكامل من الطوب الأحمر المطلي بالجص، وهو ما يُعد ابتكارًا معماريًا في زمانه.

يبلغ طول الجامع نحو 162 مترًا، وعرضه 162 مترًا أيضًا، أي ما يقارب شكل المربع. ويتوسطه صحن واسع محاط بأروقة مغطاة بأقواس محمولة على أعمدة ضخمة. وأهم ما يميز الجامع هو المئذنة الحلزونية التي تتشابه إلى حد كبير مع مئذنة جامع سامراء الكبير في العراق، وهي فريدة من نوعها في مصر.

كما يتميز المسجد بوجود الزخارف الجصية التي تزين جدرانه من الداخل. إلى جانب وجود محراب رائع من الرخام متعدد الألوان، وهو ما كان يعد قمة الرقي المعماري في ذلك العصر.

الوظيفة الدينية والاجتماعية

لم يكن مسجد أحمد بن طولون مخصصًا فقط للعبادة، بل كان مركزًا ثقافيًا واجتماعيًا. حيث كان يؤوي العلماء، ويستضيف حلقات العلم، ويستخدم كمركز لتوزيع المساعدات للمحتاجين خاصة في شهر رمضان.

ويقول الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، إن جامع أحمد بن طولون يُعد مثالًا حيًا على ازدهار العمارة الإسلامية في مصر في العصر الطولوني. كما أنه شاهد على مرحلة مهمة من استقلال مصر عن الخلافة العباسية. والأهم أنه ما يزال يستخدم كمسجد حتى اليوم، ما يدل على عبقرية تصميمه واستمرارية دوره الديني والاجتماعي على مدى أكثر من ألف عام.

أحداث بارزة شهدها جامع أحمد بن طولون

مر المسجد خلال تاريخه الطويل بالعديد من التحولات. ففي عهد الدولة الفاطمية، تم استخدامه لبعض الوظائف الإدارية، ثم أُعيد ترميمه في عهد المماليك. وفي عصر محمد علي باشا، خضع لعملية إصلاح شاملة.

تعرض المسجد لفترات من الإهمال في القرون الماضية، خاصة في فترات الاحتلال. لكنه أُدرج ضمن قائمة الآثار الإسلامية في مصر منذ أوائل القرن العشرين، وتولت الحكومة المصرية عدة حملات ترميم واسعة للحفاظ عليه. كان آخرها في أوائل القرن الحادي والعشرين، حيث أعيد تأهيله وأصبح وجهة سياحية وثقافية مهمة.

دوره الثقافي اليوم

يستقبل المسجد اليوم الزوار من مختلف أنحاء العالم. سواء من المهتمين بالعمارة الإسلامية أو الباحثين في التاريخ، أو حتى السياح الذين يزورون القاهرة القديمة. كما يعد المسجد موقعًا شهيرًا لتصوير الأفلام والمسلسلات التاريخية، نظرًا لتفرده المعماري وأصالته.

بالقرب من المسجد، يوجد متحف جاير أندرسون، الذي يحمل اسم ضابط بريطاني عاش في القاهرة في الثلاثينات. وجمع فيه قطعًا أثرية من مختلف الحضارات، ما يمنح الزائر تجربة ثقافية متكاملة تجمع بين الفن والعمارة والتاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى