شكري القوتلي: الرئيس السوري الذي رسم تاريخ الاستقلال والقومية العربية
ولد شكري القوتلي في 21 تشرين الأول 1891، ليصبح لاحقًا أحد أبرز زعماء سوريا في القرن العشرين عرف القوتلي بنشاطه السياسي المبكر، فبدأ بمناهضة السلطات القائمة في أواخر الحكم العثماني، ثم خلال الانتداب الفرنسي على سوريا، وشارك في الثورة السورية الكبرى، ما أدى إلى صدور أحكام بالإعدام ضده نتيجة لذلك، نفي إلى جزيرة أرواد ولجأ لاحقًا إلى السعودية، لكنه استمر في مقاومة الاحتلال الفرنسي، ليصبح رمزًا من رموز الكفاح الوطني، وقد نجح في النجاة من ثلاثة أحكام بالإعدام صدرت ضده.
من هو شكري القوتلي
دخل القوتلي الحكومة لأول مرة عام 1936 كوزير للدفاع ضمن حكومة الكتلة الوطنية، قبل أن يبرز اسمه كمرشح لخلافة هاشم الأتاسي في رئاسة الكتلة الوطنية، ما مهد له الطريق للوصول إلى سدة الرئاسة عام 1943، وتمكن من الفوز بالرئاسة مرة أخرى عام 1955 خلال حكمه، نالت سوريا استقلالها التام، وعُرف بميله نحو القومية العربية ومعارضته لاتحاد حلف بغداد، كما سعى للتقارب مع جمال عبد الناصر، ما أدى لاحقًا إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة، ليحصل فيها على لقب «المواطن الأول».
اشتهر القوتلي بقدرته على جمع توافق معظم القوى السياسية حول شخصه، وكانت شعبيته مرتفعة في دمشق، لكنها محدودة في حلب، عرف عنه معارضته من قبل الجيش، وكان أول رئيس عدّل الدستور لصالحه للترشح لولاية ثانية عام 1948، تعرض لاتهامات بتقويض النظام الديمقراطي، خاصة بعد الأزمات الحكومية وتحميل الجيش مسؤولية الهزيمة في حرب فلسطين، ما أدى إلى انقلاب حسني الزعيم عام 1949، ثم لخطوات إقصاء التعددية السياسية في عهد الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، رغم أن هذه الإجراءات كانت مدعومة شعبيًا في حينها.
تولى القوتلي أربعة عشر حكومة وستة رؤساء وزارات خلال رئاسته، ورغم أن دستور 1950 قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح الحكومة ورئيسها، إلا أن القوتلي كان يوجه الوزراء ويتدخل في شؤون الحكومة، فكان القرار يتخذ غالبًا في القصر الجمهوري وليس في مجلس الوزراء، ويذكر المؤرخ محمد كرد علي أن القوتلي كان يضغط على رئيس الحكومة لاختيار وزراء بعينهم ويبني علاقات شخصية قوية مع الوزراء، وهو ما أكده يوسف الحكيم، إذ عين القوتلي صديقه الحميم عادل العظمة مديرًا عامًا لوزارة الداخلية عام 1943، بعد انتخابه لولايته الأولى، بموافقة رئيس الوزارة سعد الله الجابري.
العلاقات الشخصية والولاء السياسي لعبت دورًا رئيسيًا في فوزه بولاية ثانية عام 1956 رغم عدم حصول حزبه على الأغلبية في البرلمان، كما تمكن من تمرير قانون يمنح رئيس الجمهورية حرية التصرف بالمخصصات المالية دون رقابة البرلمان على صعيد الحزب، شكّل القوتلي مع سعد الله الجابري وفارس الخوري ما أطلقت عليه الصحافة اسم «الأقطاب الثلاثة»، حيث تولى القوتلي الرئاسة، بينما تعاقب الجابري والخوري على رئاسة مجلس النواب والحكومة هذا الثلاثي أدى إلى خروج عدد من القيادات التاريخية من الحزب، مثل هاشم الأتاسي وجميل مردم.
بعد وفاة الجابري عام 1947 وتقاعد الخوري في الخمسينات، أصبح القوتلي «القطب الأكبر» داخل الحزب الوطني، محافظًا على قيادته للجناح الأكبر المعروف باسم «جناح القوتلي»، الذي دعم القومية العربية والنموذج الناصري وتحالف مع أحزاب مثل الحزب التعاوني الاشتراكي وحزب البعث ومع ذلك، وجهت له انتقادات تتعلق بالفساد، وبيع المناصب، وشخصيته المتناقضة بين الثقة الشديدة بأصدقائه والضعف في فرض السلطة عليهم، إضافة إلى الجدل حول تعديل الدستور للترشح لولاية ثانية.
توفي شكري القوتلي في 30 حزيران 1967 في بيروت، ونُقل جثمانه إلى سوريا، لكن قيادة انقلاب الثامن من آذار رفضت إقامة جنازة رسمية له ورغم ذلك، يبقى اسمه علامة فارقة في تاريخ سوريا، كرجل قاوم الاحتلال، قاد الدولة نحو الاستقلال، وشكّل فكر القومية العربية الذي سيظل حاضرًا في ذاكرة الأمة.



