قبائل و عائلات

قبيلة الفهريون في الأندلس.. جذور عربية صنعت ملامح الحكم المبكر

أسماء صبحي – حينما نذكر تاريخ الأندلس تقفز إلى الأذهان صور الحضارة المزدهرة والمدن العريقة مثل قرطبة وغرناطة وإشبيلية. لكن خلف هذه الصورة البراقة يقبع تاريخ طويل من الصراعات القبلية، والتحالفات السياسية، وصراع العائلات على النفوذ. ومن بين أبرز القبائل والعائلات العربية التي تركت بصمتها على تاريخ الأندلس، تبرز قبيلة الفهريون أو ما يعرف بـ بني فيهد. التي حملت أصولًا قريشية ومن ثم وجدت لنفسها مكانًا مؤثرًا في المغرب العربي ثم شبه الجزيرة الإيبيرية.

جذور قبيلة الفهريون

ينحدر الفهريون من أصول عربية صميمة تعود إلى قريش، أي إلى جذور مكة المكرمة التي كانت حاضنة أولى للإسلام. ومع انطلاق الفتوحات الإسلامية الكبرى في القرن السابع الميلادي انتقلت هذه القبيلة إلى شمال إفريقيا. حيث استقرت هناك وبنت لنفسها قاعدة سياسية واجتماعية قوية. وبرز دورها بوضوح خلال القرن الثامن الميلادي عندما تولى بعض أفرادها مناصب قيادية في ولاية إفريقية.

كان أبرز هؤلاء عبد الرحمن بن حبيب الفهري الذي حكم إفريقية في فترة حساسة ما بين عامي 745 و755 ميلاديًا. وفي هذه المرحلة، أرسى الفهريون معالم استقلال شبه تام عن الخلافة الأموية في دمشق. قبل أن يدخلوا في مواجهة مع القوى الناشئة في المشرق الإسلامي بعد سقوط الأمويين وصعود العباسيين.

الفهريون في الأندلس

مع دخول المسلمين إلى الأندلس عام 711 ميلاديًا، بدأت القبائل العربية تتوزع على أراضي شبه الجزيرة الإيبيرية. وجاء الفهريون إلى هناك بقوة، وتمكن يوسف بن عبد الرحمن الفهري من اعتلاء سدة الحكم في الأندلس خلال الفترة الممتدة ما بين 747 و756 ميلاديًا. وهذا الرجل كان شخصية بارزة تمكنت من إدارة شؤون البلاد في مرحلة انتقالية شديدة الاضطراب.

أعلن يوسف الفهري استقلال حكمه إلى حد بعيد عن المشرق، رافضًا الخضوع الكامل لا للأمويين الذين كانوا على وشك الانهيار، ولا للعباسيين الذين صعدوا على أنقاضهم. وهكذاووجدت الأندلس نفسها أمام سلطة عربية محلية متمردة عرفت بسيطرتها القبلية ورفضها لأي وصاية خارجية.

طبيعة المجتمع القبلي في الأندلس

شهدت الأندلس منذ الفتح الإسلامي صراعات قبلية حادة بين المجموعات العربية القادمة من الشام واليمن والحجاز، إلى جانب القبائل البربرية التي أسهمت بقوة في الفتح. وهذه الصراعات لم تكن مجرد خلافات عابرة، بل أثرت على مسار الحكم والسياسة لعقود طويلة.

الفهريون كانوا جزءًا من هذه المعادلة، إذ وجدوا أنفسهم طرفًا رئيسيًا في نزاعات بين القبائل القيسية واليمنية. وبفضل نسبهم القرشي وهيبتهم، تمكنوا من فرض وجودهم كقوة سياسية منافسة تسعى إلى الاستقلال. مما جعلهم في مواجهة دائمة مع القوى الأخرى التي حاولت السيطرة على الأندلس.

المواجهة مع الأمويين

لم يستمر نفوذ الفهريين طويلًا في الأندلس فمع وصول عبد الرحمن الداخل حفيد بني أمية الفارين من بطش العباسيين، تغيرت المعادلة جذريًا. وتمكن الداخل من توحيد الأندلس تحت راية أمويّة جديدة مستقلة عن العباسيين، وأسّس دولة أموية أندلسية قوية.

هذا التحول أنهى فعليًا حكم الفهريين في الأندلس، لكنه لم يلغي تأثيرهم التاريخي. فقد ظل ذكرهم شاهدًا على مرحلة مفصلية سبقت قيام الدولة الأموية في الأندلس.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد الحمداني أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة قرطبة، إن قبيلة الفهريون حالة فريدة في تاريخ الأندلس المبكر. فقد استطاعت أن تفرض نفسها كسلطة عربية مستقلة، لكنها اصطدمت مع مشروع أموي جديد بقيادة عبد الرحمن الداخل. وبالرغم من سقوط حكمها، فإنها تركت أثرًا واضحًا في طبيعة التوازنات السياسية والاجتماعية التي عاشتها الأندلس في تلك الفترة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى