محطم خط بارليف.. اللواء باقي زكي يوسف صاحب الفكرة التي غيرت مسار حرب أكتوبر
أسماء صبحي – في صباح السبت الثالث والعشرين من يونيو عام 2018، فقدت مصر أحد أبطالها الكبار برحيل اللواء أركان حرب مهندس باقي زكي يوسف، ابن محافظة أسيوط البار وصاحب الفكرة العبقرية التي مهدت الطريق لتحطيم أسطورة خط بارليف. أقوى خط تحصينات دفاعي عرفه التاريخ العسكري الحديث.
ما هو خط بارليف؟
كان خط بارليف يمتد على طول الضفة الشرقية لقناة السويس من بورسعيد شمالًا حتى السويس جنوبًا. ويمتد بعمق يصل إلى 12 كيلومترًا داخل شبه جزيرة سيناء. وصممه الجنرال الإسرائيلي حاييم بارليف، رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي آنذاك. بهدف فصل سيناء عن الجسد المصري بشكل نهائي ومنع أي محاولة لعبور الجيش المصري إلى الضفة الشرقية للقناة.
اعتمد الخط على ساتر ترابي ضخم شديد الانحدار ملاصق لحافة القناة الشرقية. ليضاف إلى المانع المائي الطبيعي المتمثل في قناة السويس، فضلًا عن تجهيزات هندسية معقدة ومنصات للدبابات ونقاط حصينة مدعمة.
ساتر ترابي قيل إنه لا يهدم
تكون الساتر الترابي من كثبان رملية ضخمة تراكمت على مدار سنوات نتيجة إلقاء ناتج حفر قناة السويس من الرمال والصخور على الضفة الشرقية..في حين تركت الضفة الغربية للأراضي الزراعية. ومع مرور الوقت، ازداد ارتفاع هذا الساتر وقساوة تماسكه حتى أكد خبراء عسكريون سوفييت آنذاك أن تدميره لا يمكن أن يتم إلا باستخدام قنبلة نووية.
وكانت هذه الحقيقة تمثل إحدى أعقد المعضلات أمام القيادة العسكرية المصرية: كيف يمكن فتح ثغرات في هذا الساتر الرملي الصلب لعبور الجنود والمعدات الثقيلة. في وقت لم تكن فيه الصواريخ أو القصف التقليدي مؤثرة على الرمال المتماسكة؟
فكرة بسيطة تهزم المستحيل
وسط هذا التحدي، ظهرت العبقرية المصرية. فقد قدم اللواء أركان حرب مهندس باقي زكي يوسف فكرة غير تقليدية لكنها حاسمة. استخدام خراطيم المياه عالية الضغط لفتح ثغرات في الساتر الترابي بدلًا من محاولة تدميره بالقوة النارية.
كانت الفكرة في غاية البساطة لكنها غير مسبوقة عسكريًا. وأثبتت لاحقًا أنها المفتاح الحقيقي لعبور قوات المشاة والمدرعات والدبابات المصرية إلى عمق سيناء في الساعات الأولى من حرب أكتوبر 1973.
من السد العالي إلى ساحة المعركة
تعود جذور هذه الفكرة العبقرية إلى مايو عام 1969. عندما انتدب المقدم آنذاك باقي زكي يوسف للعمل في مشروع السد العالي بأسوان. حيث شغل منصب رئيس فرع المركبات في الفرقة 19 مشاة ميكانيكية.
هناك شاهد عن قرب عمليات تجريف جبال كاملة من الرمال والأتربة باستخدام مياه مضغوطة شديدة القوة. ثم شفط هذا الخليط عبر مواسير لاستخدامه في بناء جسم السد العالي. هذه المشاهد اليومية زرعت في ذهنه فكرة واضحة: إذا كانت المياه قادرة على إزالة الجبال، فلماذا لا تستخدم لاختراق الساتر الترابي لخط بارليف؟
الفكرة تصل إلى عبد الناصر
بلور باقي زكي يوسف فكرته في تقرير فني مفصل، وصل إلى يد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خلال أحد اجتماعاته الأسبوعية مع قادة التشكيلات في مقر القيادة العامة. أبدى الرئيس اهتمامًا كبيرًا بالفكرة وأمر بتجربتها عمليًا.
وبالفعل، أجريت تجربة ميدانية ناجحة في جزيرة البلاح، وأثبتت قدرة المياه المضغوطة على فتح ثغرات واسعة في الساتر الرملي خلال وقت قياسي. ولخص اللواء باقي فكرته الشهيرة لقائده بجملة أصبحت محفورة في الذاكرة العسكرية: “ربنا حط المشكلة وجنبها الحل يا فندم”.
دور حاسم في حرب أكتوبر
خلال حرب أكتوبر 1973، كان اللواء باقي زكي يوسف يشغل منصب رئيس فرع مركبات الجيش الثالث الميداني، وكان قومندانًا لأحد تشكيلاته. وبفضل فكرته، نجحت القوات المصرية في فتح عشرات الثغرات في خط بارليف خلال ساعات قليلة. مما مكن قوات المشاة والمدرعات من العبور السريع وأسقط أسطورة الخط الحصين إلى الأبد.
مسيرة عسكرية حافلة
التحق باقي زكي يوسف بالقوات المسلحة عقب تخرجه في كلية الهندسة جامعة عين شمس. وعمل ضابطًا مهندسًا منذ عام 1954 وحتى منتصف عام 1984. وتدرج في المناصب العسكرية حتى وصل إلى رتبة لواء وخرج من الخدمة بعد خمس سنوات كاملة بهذه الرتبة، تاركًا بصمة لا تنسى في التاريخ العسكري المصري.
التكريم والتقدير
تقديرًا لدوره الاستثنائي في حرب أكتوبر، منح اللواء باقي زكي يوسف نوط الجمهورية العسكري من الطبقة الأولى عن أعمال قتال جسورة تدل على التضحية والشجاعة الفائقة في ميدان المعركة. وتسلمه من يد الرئيس الراحل أنور السادات في فبراير 1974.
كما حصل على وسام الجمهورية من الطبقة الثانية من الرئيس الأسبق حسني مبارك بمناسبة إحالته إلى التقاعد من القوات المسلحة عام 1984.
بطل غير مجرى التاريخ
لم يكن اللواء باقي زكي يوسف مجرد ضابط مهندس، بل كان نموذجًا للعقل المصري القادر على تحويل أبسط الأفكار إلى أعظم الانتصارات. فكرة خرجت من رحم السد العالي أسقطت أقوى خط دفاعي في العالم، ومهدت لعبور جيش كامل نحو استعادة الأرض والكرامة.



