تاريخ ومزارات

من هي المرأة التي سبقت القائد إلى خيمة النصر؟

في زمن الفتوحات الإسلامية الكبرى، حين كانت راية التوحيد تعلو في أرض الشام والجزيرة، وقفت لحظة فاصلة في سنة إحدى وثلاثين للهجرة، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد انتفض أهل أرمينيا بعد فتحها الأول، واضطربت الأوضاع في تلك البلاد البعيدة، فكان لا بد من إعادة الأمن وترسيخ هيبة الدولة الإسلامية.

من هي المرأة التي سبقت القائد إلى خيمة النصر؟

اختار الخليفة لهذه المهمة قائدا عرف بالشجاعة والخبرة وطول الباع في ميادين القتال، هو حبيب بن مسلمة الفهري، الذي لُقب بحبيب الروم وحبيب الدروب، لكثرة ما خاض من معارك وما حقق من انتصارات على جيوش الروم،  نشأ حبيب في ظل الإسلام منذ نعومة أظفاره، وشهد غزوة تبوك وهو غلام صغير، ثم مضى عمره كله بين السيف والراية، يجاهد منذ أيام أبي بكر وعمر، حتى صار من كبار قادة الفتح، يضاهي خالد بن الوليد وأبا عبيدة بن الجراح في الإقدام والبأس.

تحرك حبيب بجيش لا يزيد عدده على ستة آلاف مقاتل، متجها إلى أقصى شمال أرمينيا، إلى منطقة قالقيليا على تخوم بلاد الروم، وهناك وقف المسلمون في مواجهة جيش عظيم من الروم والخزر، يقوده القائد موريان، كان الفرق في العدد والعدة شاسعا، لكن قلوب المسلمين كانت عامرة بالإيمان واليقين.

وقبل أن تشتعل المعركة، وقف حبيب يخاطب جنوده، يشد من أزرهم ويذكرهم بوعد الله، وأن النصر ليس بكثرة العدد، بل بثبات القلوب وصدق التوكل، وبينما الصفوف تستعد للاشتباك، خرجت من بين الجنود امرأة متقلدة سلاحها، ترتدي لباس القتال، ثابتة الخطوات، قوية النظرات، كانت أم عبيد الله بنت يزيد الكلبية، زوجة القائد نفسه.

تقدمت إليه وسألته بعزم لا يعرف التردد، يا حبيب أين ألقاك إذا حمي القتال واضطربت الصفوف، نظر إليها بعينين امتلأتا يقينا وقال لها ستجدينني في خيمة موريان قائد الروم أو في الجنة.

دارت المعركة عنيفة، واشتد القتال، وحمل المسلمون حملة صادقة، يتقدمهم حبيب وهو يحمل الراية ويشعل الحماسة في النفوس،  واختلطت الصفوف وارتفعت الغبرة، وافترق القائد عن زوجته وسط ضجيج السيوف وصهيل الخيل.

ولم تمض ساعات حتى تبدل ميزان القوة، انهار جيش الروم، وتراجع الخزر، وسقط منهم القتلى والأسرى، وكتب الله النصر لعباده المؤمنين/، وما إن هدأ غبار المعركة حتى اندفع حبيب مسرعا نحو خيمة موريان، وفاء بما قال، وإعلانا لانتصار الإسلام.

بلغ الخيمة فوجدها مفتوحة، وفي داخلها فارس ملثم ينتظر، اقترب حبيب، ومد يده يكشف اللثام، فإذا بالمفاجأة العظيمة،  كانت أم عبيد الله تقف هناك، قد سبقته إلى خيمة قائد الروم، ودخلتها قبله، تنتظره بثبات وابتسامة نصر وفخر.

كانت تلك اللحظة لوحة نادرة في تاريخ الفتح، امتزج فيها الإيمان بالشجاعة، والزوجية بالجهاد، والنصر باليقين، امرأة لم تنتظر الخبر، بل تقدمت الصفوف، وسبقت زوجها إلى موضع الوعد.

ولم يتوقف حبيب بن مسلمة عند هذا الحد، واصل فتوحه في أرمينيا، ففتح مدن شمشاط ودبيل وغيرها، وصالح أهلها، وأقام الأمن، وأسكن بعض المسلمين فيها، مثبتا دعائم الدولة بالحكمة كما ثبتها بالسيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى