جذور ليبية على أرض الكنانة.. حكاية القبائل التي عبرت الصحراء واستقرت في مصر
تضم مصر عددا كبيرا من القبائل ذات الأصول الليبية، التي نزحت إلى أراضيها منذ مئات السنين، واستقرت بها حتى صارت جزءا أصيلا من نسيجها الاجتماعي والوطني، من بين هذه القبائل أولاد علي والجوازي والبراعصة والفوايد والهنادي والفرجان والبهجة والجميعات والقطعان والجبالية والرماح والحبون وأولاد الشيخ، وكلها قبائل حملت معها تاريخها وعاداتها وأعرافها، ثم اندمجت مع المجتمع المصري دون أن تفقد هويتها.
وتعد قبيلة البراعصة من أبرز هذه القبائل، إذ تعود أصولها إلى مدينة البيضاء في شرق ليبيا، وهي المدينة التي شهدت احتجاجات واسعة ضد نظام معمر القذافي، كما أنها مسقط رأس صفية زوجة القذافي وأم سيف الإسلام، ومن أشهر عائلات البراعصة في ليبيا عائلات مازق والصيفاني وحدوث ومقرب والخضراء، والأخيرة تقيم في مصر منذ ما يقرب من مئة وخمسين عاما، وتنتشر قبيلة البراعصة في شرق ليبيا، خاصة في بنغازي وأجدابيا، كما توجد فروع لها في محافظتي الفيوم والقليوبية بمصر.
وفي محافظة المنيا بجنوب مصر، يوجد فرع من قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها الزعيم الليبي معمر القذافي، إلى جانب وجود قبيلتي الجوازي وأولاد علي، وهما أيضا من القبائل الليبية الأصل، كما تقطن قبيلة الصهيب، ذات الجذور الليبية، في بلبيس بمحافظة الشرقية، وفي القليوبية شمال شرق القاهرة، إضافة إلى قنا وجرجا في صعيد مصر، وقد هاجرت هذه القبيلة إلى مصر منذ مئات السنين.
وتوجد كذلك قبيلة العمايم الليبية الأصل في جرجا ومنفلوط في الصعيد، وفي طنطا شمال القاهرة، حيث استقرت وشاركت في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمناطق التي عاشت فيها.
قبائل أولاد علي.. الحضور الأكبر
تعد قبائل أولاد علي أكبر القبائل المعروفة بأصولها الليبية في مصر، إذ يزيد عدد أبنائها على مليوني نسمة، وتنقسم هذه القبائل في الأساس إلى قسمين رئيسيين، أولاد علي الأحمر، وعلى رأسهم قبائل القنايشات، وأولاد علي الأبيض، وعلى رأسهم قبائل العزائم.
وتضم أولاد علي عددا كبيرا من القبائل، من بينها الهوارة والزنالكة والقواسم والعوامي وماضي والحمام والعاصم والسناجرة والأخشيبات والشراسات والحويتية والحنيش، وتنتشر هذه القبائل على نطاق واسع يبدأ من سيدي براني في مطروح قرب الحدود المصرية الليبية، ويمتد حتى دمنهور في محافظة البحيرة بوسط دلتا مصر، مرورا بمناطق العامرية وكنج مريوط غرب الإسكندرية، ومحافظات الجيزة والغربية والشرقية.
ويقيم الجزء الأكبر من قبائل أولاد علي في الصحراء الغربية، في المساحة الممتدة من السلوم حتى الإسكندرية والبحيرة. وقد هاجرت هذه القبائل من ليبيا إلى مصر عام 1670 ميلادية، بعد نزاع كبير مع قبيلة الحرابي، في ما يعرف تاريخيا بتجريدة حبيب.
أرض واسعة وحياة رعوية
ويشير الباحث عطية العوامي في أحد أبحاثه إلى أن المنطقة التي تسكنها قبائل أولاد علي في صحراء مصر الغربية تمتد على مسافة تصل إلى 500 كيلومتر غرب مدينة الإسكندرية، ورغم ما تحمله هذه المنطقة من أهمية اقتصادية كامنة، وأهمية استراتيجية جعلتها مسرحا لمعركة العلمين الشهيرة خلال الحرب العالمية الثانية، فإنها ظلت ذات طابع بدوي واضح.
ويعد إقليم مطروح، بحكم موقعه على البحر المتوسط، من أكثر مناطق الصحراء الغربية عمرانًا وكثافة سكانية، مع انتشار الزراعة وتوفر الأمطار التي ساعدت على قيام مراعي طبيعيةومع ذلك، تبقى الحرفة الأساسية لسكان هذه المنطقة هي تربية الأغنام، إلى جانب بعض الزراعات مثل القمح والشعير والبطيخ، وأشجار التين والزيتون، خاصة في المنطقة الممتدة من مدينة الحمام حتى مرسى مطروح.
قبائل أخرى هاجرت مع الزمن
وتضم مجموعة المرابطين عددا من القبائل التي تنتمي إلى سكان برقة، وقد انضمت إلى أولاد علي في حروبهم ضد قبيلة الحرابي، ثم نزحت معهم إلى مصر، كما سبقت قبيلة الجمعيات قبائل أولاد علي في الهجرة إلى مصر، ثم اندمجت معها بمرور الزمن، حتى صارت جزءا منها، في مسار تاريخي امتد لأكثر من ستمئة عام.
وشكل حوض النيل بالنسبة لهذه القبائل منطقة أكثر استقرارا وأمانا، إلا أنها عند قدومها لمصر لم تسكن ضفاف النيل مباشرة، بل استقرت في الصحراء الغربية للنهر ولم تكن حياتها خالية من النزاعات، فقد وقعت صراعات بينها في مراحل مختلفة، مثل النزاع بين الهنادي وأولاد علي، لكنها مع مرور الوقت استقرت وواكبت مظاهر الحياة العصرية، ودخل أبناؤها المدارس والجامعات والكليات العسكرية، وتقلدوا مناصب مهمة في الدولة.
الهجرات القسرية من ليبيا
وجاءت بعض القبائل إلى مصر نتيجة أحداث دامية شهدتها ليبيا في مطلع القرن التاسع عشر، خلال الحرب الأهلية بين الوالي التركي يوسف باشا القرمانلي من جهة، وقبائل العواقير وبعض القبائل الأخرى، في مواجهة قبائل الجوازي والمجابرة والجلالات من جهة أخرى، وفي نهاية هذه الحرب، دعا القرمانلي أربعين من أعيان قبيلة الجوازي إلى قصره في بنغازي بزعم تكريمهم، ثم أمر بقتلهم، وأطلق جنوده لقتل كل من ينتمي إلى الجوازي، ما اضطر أفراد القبيلة إلى الفرار نحو مصر، بينما بقي بعضهم في ليبيا بعد أن غيّروا اسم القبيلة اتقاء للبطش.
وعرضت بعض القبائل على الجوازي الإقامة معها في مناطق الحدود بين مصر وليبيا، خاصة في مطروح، إلا أن الجوازي فضلوا التوغل داخل الأراضي المصرية بحثا عن الأمان، فاستقروا في محافظة الفيوم.
قبائل مطروح والهوية الوطنية
وفي خضم الأحداث الليبية، أكد عمد ومشايخ محافظة مطروح أنهم مصريون حتى النخاع، وأن روابط النسب والجوار التي تجمعهم بالليبيين لا تعني بحال من الأحوال المساس بولائهم لمصر، وأوضح عبدالغفار حمد محمد الملاح، رئيس المجلس الشعبي للمحافظة، أن قبائل مطروح حراس البوابة الغربية لمصر، وأنهم يقدمون المساعدات الإنسانية للشعب الليبي من أدوية وألبان ومواد غذائية.
ونفى مشايخ مطروح ما تردد عن محاولات إغراء القبائل المصرية لمناصرة نظام القذافي، مؤكدين أن أبناء القبائل خرجوا في مظاهرات بمدينة مرسى مطروح تضامنا مع الشعب الليبي، ورفضا لأي محاولات لاستغلالهم أو الزج بهم في صراعات لا تخصهم.



