الخيام البدوية تراث البيوت عند عرب البادية
قديما قبل الإسلام وبعده، صنعت العرب خيامها من شعر الماعز ووبر الإبل وصوف الأغنام، غزلت هذه المواد بأيدي النساء وحولتها إلى خيوط قوية، ثم نسجتها في قطع متينة شكلت سقف الخيمة وأجنابها، وعرفت هذه الخيام باسم بيت الشعر، وهو الاسم الذي حمل روح الصحراء ومعنى الحياة البدوية عبر القرون.
الخيام بيوت العرب، وقد قالت العرب قديما الأطراف منازل الأشراف، إذ أنف كبار القوم وأشرافهم من السكن في أماكن الازدحام وفضلوا أطراف المدن والفضاءات المفتوحة، ورغم هذا البعد ظلت بيوت الشعر مقصدا للرحل وعابري السبيل، يقصدونها طلبا للأمان والضيافة.
الخيام البدوية تراث البيوت عند عرب البادية
بيت الشعر مسكن البدوي المقدس، مأواه وملجأه ومقر حياته، وهو كل شيء بالنسبة له، وينقسم إلى نوعين رئيسيين.
بيت الربيع، ويصنع من مسادي الصوف المشمط، أي المخلوط بشعر الماعز مع شيء من وبر الإبل، ويحتوي على أكمام تعرف بالرواويح تشبه النوافذ، وتوجد به ريشات للزينة، كما يحتوي على كحالان، والكحال مسدى بطول يمتد مع البيت، ولا يزيد عرضه عن ثلاثين سنتيمترا، ويمتدان طوليًا بشكل متواز بين الخياطة والملطة، أما الطريقة فهي شريط يمتد بين المقاديم مرورا بالكرب، ولكل بيت طريقتان، ولا يوجد به حمال، وهو شريط من الصوف أو القماش يشبه الطريقة، ويحمل البيت ويصل بين الكمين مرورا بالكرب، ويقتصر وجود الحمال على بيت الصيف فقط، يبنى بيت الربيع في الشتاء والربيع لأنه دافئ ويقاوم المطر والرياح.
أما بيت الصيف فيصنع من القماش، ويكون مزركشا من الداخل ومكسوا بقماش أبيض يعكس أشعة الشمس فيبقى باردا، لذلك يبنى في الصيف، وله طريقتان وحمال، وقد يوجد به كحال لكنه يكون للزينة فقط، وهو قماش أسود اللون، وتتنوع أحجام البيوت بين الكبيرة والصغيرة، ومن أشهرها بيت بو عشرين، الذي يصل طوله إلى عشرين ذراعا، وبيت بو زرد، وهو بيت كبير يصعب حمله مرة واحدة، فزود بأزرار تصل نصفيه الشمالي والجنوبي لتسهيل فكه وحمله على ظهور الجمال، وقد اختفى هذا النوع مع مرور الزمن.
الخيام ومعيشة العرب
العرب شعب رعوي، وكما اعتمد أهل سيوة على النخيل، اعتمد البدو على الجمال والأغنام، وبدرجة أقل على محصول الشعير، عرفت خيامهم باسم الخيش، وصنعت من الصوف ووبر الإبل، ونسجت في شرائح طويلة ثبتت معا، ودعمت في المنتصف بعمودين، بلغ ارتفاع الخيمة نحو ستة أقدام، ثم انحدرت جوانبها إلى ثلاثة أقدام تقريبا، مع هامش متحرك أسفل السقف.
وفرت هذه الخيام راحة كبيرة، خاصة في الصيف، حيث تبقى الجوانب مفتوحة ومدعومة بأعمدة قصيرة، خلت الخيام من الأثاث، لكن أرضيتها فرشت بالحصير والسجاد البدوي المصنوع من صوف الغنم الأبيض المغزول ناعما، وأحيانا صبغ باللون القرمزي والبني والرمادي، مع وبر الإبل الأصفر وشعر الماعز الأسود، ونسجت بزخارف هندسية وزينت بشراشيب حمراء وسوداء، بلغ طول أكبر الخيام أحيانا عشرين أو ثلاثين قدما، وعرضها نحو عشرة أقدام، وقد قسمت أحيانا إلى قسمين ببطانية أو رداء طرابلسي مخطط معلق في المنتصف.
شعر الإنسان براحة كبيرة داخل هذه الخيام، إذ استخدمت خيمة صيفية خفيفة، وأخرى أكثر سماكة للشتاء، وكانت الأخيرة مبطنة برقع من الصوف والقطن والكتان الملون، تشبه اللحاف المرقع القديم، وعند هطول المطر انتفخ صوف السقف واشتد، فانزلق الماء عن الجوانب شديدة الانحدار، وبسبب انخفاض الخيمة لم تتمكن الرياح من تمزيقها، وقد صمدت خيام العرب أمام العواصف التي دمرت خيام الجيوش وبقيت جافة من الداخل.
مسميات الخيام عند العرب
قسم العرب تجمعاتهم حسب عدد بيوت الشعر، فالنزلة تضم من بيت واحد إلى عشرين بيتا، والنجع يضم من عشرين إلى مئة بيت، أما الدوار فيضم أكثر من مئة بيت.
وفرقوا بين الدار والسماط والرحبة، فالدار خيمة واحدة، والسماط ثلاث خيام فما فوق، والرحبة مجموعة خيام متقابلة بينها ساحة تسمى الرحبة.
كما ميزوا بين الرحب والنجوع، فالرحب جمع رحبة وتسمى النزلة، وإذا بنيت بالطوب سميت دوارا، أما النجع فهو القافلة أو المرحول، وقد يطلق مجازا على القوم.
الفريق والدامرة والضعينة
أطلق اسم البادية على تجمع يزيد عن عشرين بيتا، أما الدامرة فهي أقل من عشرين بيتا تقريبا، والضعينة هي الأصغر، إذ تضم خشب بيت واحد أو أقل من عشرة بيوت.
الرواق روح الخيمة
الرواق أحد أهم أجزاء بيت العرب، وهو الأجناب التي تشكل مدخل البيت ومخرجه، ويطوى لأعلى وقت الظهيرة للتهوية، ويرفع أو ينزل حسب حركة الشمس لإدخال الضوء أو منعه، استخدم الرواق للفصل داخل البيت، خاصة عند وجود ضيوف، للفصل بين الرجال والنساء، وضربت به الأمثال مثل قولهم حط على رواقك حيطة، في إشارة إلى الستر وحفظ الخصوصية.
وضع أهل البيت الأحجار على أسفل الرواق لمنع الرياح من رفعه، فإذا نسي صاحب البيت ذلك انكشف ما بداخله، وصار المثل كناية عن من لا يستر نفسه أو يفضح أمره بلسانه.
الثلة في اللغة والتراث
الثلة تعني الصوف والشعر والوبر إذا اجتمعت، سواء كانت قليلة أو كثيرة، وتطلق أيضا على الصوف المعد للغزل، وعلى غزل شعر الماعز وصوف الضأن معا، بل وتطلق على شعر الحصان إذا كثر، أما الثلة بالضم فهي الجماعة من الناس، كما ورد في القرآن الكريم في سورة الواقعة، وحضرت الثلة بقوة في الشعر الشعبي البدوي، فذكرها الشعراء في وصف الخيام والصوف والغزل، لتبقى الكلمة شاهدا على عمق هذا التراث.



