مريم الأسطرلابي المرأة التي أعادت رسم السماء في حضارة العلم
يظن البعض أن الحضارة العربية الإسلامية قامت على رؤية ذكورية خالصة احتفت بإنجازات الرجال وحدهم وتجاهلت دور النساء في مسيرة العلم والمعرفة، غير أن هذا التصور لا يستند إلى حقيقة تاريخية راسخة، فالمصادر التراثية من كتب التاريخ والطبقات والتراجم حفظت لنا سير عدد كبير من النساء العالمات اللاتي أسهمن في بناء العلوم وأسسن لنهضة فكرية امتد أثرها قرونا طويلة، ومن بين هذه الأسماء المضيئة تبرز الفلكية مريم الأسطرلابي، امرأة استطاعت أن تحفر اسمها في ذاكرة العلم عبر آلة غيرت فهم الإنسان للسماء وحركتها، فكانت قصتها شاهدا حيا على حضور المرأة في قلب الحضارة لا على هامشها.
نشأة مريم الأسطرلابي والبيئة العلمية
ولدت مريم الأسطرلابي في القرن العاشر الميلادي، الرابع الهجري، ونشأت في مدينة حلب التي كانت آنذاك واحدة من أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي، وجاءت نشأتها داخل أسرة عرفت بالعلم والمعرفة، فوالدها كوشيار الجيلي أو الديلمي كان من كبار علماء الفلك والجغرافيا في عصره، وترك عددا من المؤلفات العلمية التي شكلت مراجع أساسية لدارسي النجوم، ومن أبرزها مجمل الاصول في احكام النجوم، والاسطرلاب، والزيج الجامع، والمدخل في صناعة احكام النجوم.
وفي ظل هذا المناخ العلمي الزاخر، تلقت مريم علوم الفلك والحساب وصناعة الآلات، فبرعت مبكرا ولفتت الأنظار بقدرتها على الفهم والتطبيق، ومع انتقال حلب إلى ذروة ازدهارها العلمي في عهد سيف الدولة الحمداني، أصبحت مريم الأسطرلابي من أبرز عالمات الفلك في بلاط الدولة الحمدانية خلال الفترة من 944 إلى 967 ميلادية، حيث وجدت التقدير والرعاية التي مكنتها من تطوير أدواتها وأفكارها.
الأسطرلاب من الفكرة إلى الأداة العلمية
ارتبط اسم مريم ارتباطا وثيقا بآلة الأسطرلاب، حتى غلب لقبها على اسمها، فالأسطرلاب يعد من أهم الآلات الفلكية التي عرفها العالم القديم، وقد عرفته الحضارات السابقة منذ القرن الرابع قبل الميلاد، وورد ذكره في بعض الرسائل الإغريقية، غير أن استخدامه ظل محدودا حتى جاء العلماء المسلمون فحولوه من فكرة نظرية إلى أداة عملية متعددة الاستخدامات.
عمل علماء المسلمين على تطوير الأسطرلاب ليصبح أداة دقيقة تساعد في رصد حركة الأجرام السماوية، وأضافوا إليه حسابات رياضية متقدمة جعلته أكثر كفاءة ومرونة، وكان من أبرز استخداماته تحديد اتجاه القبلة بدقة عالية، وهو أمر اكتسب أهمية كبرى بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتباعد الأمصار، حيث اعتمد الفلكيون على حركة الشمس والنجوم لتحديد الاتجاه الصحيح.
كما استخدم الأسطرلاب في ضبط مواقيت الصلاة، وتحديد بدايات الشهور العربية، ومعرفة أوقات الصيام والإفطار والحج، إلى جانب دوره المهم في الملاحة البحرية، إذ اعتمد عليه البحارة لتحديد مواقعهم أثناء الإبحار، وظل الأسطرلاب محتفظا بقيمته العلمية حتى القرن الثامن عشر مع ظهور التلسكوبات الحديثة وآلات الرصد المتطورة.
إضافة مريم الأسطرلابي إلى العلم
لم تكتف مريم بتعلم صناعة الأسطرلاب، بل عملت على تطويره وإعادة تصميمه، فابتكرت ما عرف بالأسطرلاب المعقد أو ذات الصفائح، وهو نموذج ثنائي الأبعاد للقبة السماوية، يصف شكل السماء في وقت ومكان محددين وفقا لاختيارات المستخدم، وقامت برسم مواقع النجوم والكواكب والأجرام السماوية بدقة لافتة، ما أتاح للدارس فهما واضحا لحركة السماء وتغيراتها.
كان هذا النوع من الأسطرلاب أشبه بحاسوب فلكي مصغر، يساعد على حساب ارتفاع الشمس، وتحديد أوقات الليل والنهار، ومعرفة مواقع النجوم بدقة كبيرة، وهو ما اعتبر في زمنه طفرة تكنولوجية حقيقية تشبه في جوهرها أنظمة تحديد المواقع الحديثة، فقد جمع بين العلم النظري والتطبيق العملي في أداة واحدة سهلة الاستخدام.
إرث علمي يتجاوز الزمن
تمثل مريم الأسطرلابي نموذجا فريدا للمرأة العالمة في الحضارة العربية الإسلامية، فقد جمعت بين المعرفة والابتكار، وأسهمت بعملها في تطوير علم الفلك وأدواته، وتركت بصمة واضحة تؤكد أن المرأة كانت شريكا أصيلا في صناعة الحضارة، لا تابعا ولا استثناء، وأن تاريخ العلم أكثر ثراء وتنوعا مما يحاول البعض اختصاره في صورة واحدة، فمريم لم تكتف بالنظر إلى السماء، بل أعادت رسمها بعقل علمي ويد مبدعة، لتبقى سيرتها شاهدا على زمن احترم العلم واحتفى بمن يخدمه رجلا كان أو امرأة.



