تاريخ ومزارات

لغة الزهور عند المصريين القدماء.. رسائل جنائزية تحكي إيمان الفراعنة بالحياة الأبدية

أميرة جادو

لم تكن الزهور في مصر القديمة مجرد عناصر طبيعية تستخدم للزينة، بل جسدت رموزًا حية للحياة والبعث والتبجيل، واليوم، يكشف المتحف المصري الكبير عن هذه الباقات الجنائزية النادرة، لتعيد سرد حكاية إنسانية عميقة، اتخذ فيها المصري القديم من الأزهار لغة مقدسة يودع بها ملوكه، ويجسد عبرها إيمانه الراسخ بالخلود.

تضم مقتنيات المتحف المصري الكبير مجموعة فريدة من باقات الأزهار وأوراق الشجر، التي تم العثور عليها داخل الحجرة الأمامية وحجرة الدفن بإحدى المقابر الملكية، وتعد هذه الباقات من أبرز الشواهد الاستثنائية على المكانة الرفيعة التي احتلتها الزهور في العقيدة والممارسات الجنائزية لدى قدماء المصريين.

بداية الحكاية

اعتمد المصري القديم على الزهور في تفاصيل حياته اليومية والدينية معًا؛ فقد قدمت قرابين للآلهة، واستخدمت في الاحتفالات، وزينت بها المعابد والمنازل، كما دخلت بقوة في الطقوس الجنائزية بوصفها رمزًا للتجدد والانبعاث.

وارتبطت بعض النباتات، وعلى رأسها زهرة اللوتس، ارتباطًا مباشرًا بمفهوم الخلق وعودة الحياة من جديد.

باقات جنائزية ذات دلالة

تكشف الباقات المكتشفة أن وظيفتها الظاهرة كانت التعبير عن التقدير والاحترام للملك المتوفى، غير أن أسلوب توزيعها داخل المقبرة يعكس أبعادًا رمزية أعمق، فقد وضعت باقتان كبيرتان من الأزهار بشكل مائل أمام الحائط المؤدي مباشرة إلى حجرة الدفن، في مشهد رمزي يوحي بتهيئة طريق الروح نحو العالم الآخر.

الحجرة الأمامية: قرابين للروح

في الحجرة الأمامية، عثر على باقة كبيرة من الأزهار وأخرى من أوراق الشجر، وضعتا أمام الحائط على الجانب الأيمن من المدخل، بالقرب من تمثال (الكا) الخاص بالملك، في دلالة واضحة على تقديم القرابين للروح الحيوية.

كما كشف عن باقات صغيرة وضعت بجوار التمثالين الحارسين، إلى جانب الباقات الكبيرة، بما يعكس طقسًا متكاملًا يجمع بين الحماية والتقديس.

كذلك عثر على باقة صغيرة من أوراق الشجر أسفل السرير الجنائزي المزين بأشكال اللبؤة، والمقام بجوار الحائط الشرقي، في ارتباط رمزي بالقوة والحراسة.

حجرة الدفن: رسالة البعث

داخل حجرة الدفن، تم العثور على باقة أزهار كبيرة مميزة في الركن الجنوبي الغربي، وضعت بجوار علامات الـ(رس)، وهي رموز ارتبطت بمفهوم إعادة البعث والحياة الأبدية. كما تم الكشف عن باقات صغيرة أخرى داخل الحجرة، بما يؤكد امتداد الطقس الجنائزي إلى أقدس مواضع المقبرة.

الأزهار وأوراق الشجر: رموز الطبيعة

اتسمت هذه الباقات بتنوعها بين الأزهار وأوراق الشجر، في تعبير متكامل عن فلسفة المصري القديم تجاه الطبيعة؛ فالأزهار كانت ترمز إلى الجمال والتجدد، بينما دلت أوراق الشجر على الاستمرارية والحياة الدائمة.

كما تعد هذه الباقات الجنائزية، المعروضة ضمن مقتنيات المتحف المصري الكبير، شهادة حية على عمق الحس الجمالي والروحي لدى قدماء المصريين، فمن خلال الزهور، عبروا عن الحب والاحترام والإيمان بالخلود، لتظل هذه الباقات حتى اليوم رسائل صامتة من حضارة رأت في الطبيعة شريكًا أصيلًا في رحلة الإنسان نحو الأبدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى