الإلهة باستت وسر تقديس القطط في مصر القديمة
كتبت شيماء طه
لم تكن القطط في مصر القديمة مجرد حيوانات أليفة، بل كانت رمزًا مقدسًا مرتبطًا بالأنوثة والحنان والجمال. ومن بين كل آلهة الفراعنة، سطعت نجمة الإلهة باستت، التي جمعت بين الرقة والقوة، وبين الأنوثة والحماية. في عيون المصريين القدماء، لم تكن القطة حيوانًا عاديًا، بل روحًا إلهية تحرس البيت وتمنح البركة لأصحابه.
من إلهة الأسد إلى قطة رشيقة
ظهرت الإلهة باستت في بداياتها بشكل مختلف عن صورتها اللاحقة. ففي عصور الدولة القديمة، كانت تُصوَّر على هيئة لبؤة شرسة تمثل القوة والغضب الإلهي، وتشبه الإلهة سخمت إلهة الحرب والدمار. ومع مرور الزمن، تطور مفهومها ليصبح أكثر رقة، فتحولت من لبؤة مقاتلة إلى قطة وديعة، ترمز إلى الحنان والدفء والخصوبة، وأصبحت سيدة الجمال والبيت والفرح في المعتقد المصري.
باستت إلهة الجمال والحماية
كانت باستت تُعتبر حامية للنساء والأطفال والبيوت. فهي التي تطرد الأرواح الشريرة وتحمي المنزل من الثعابين والفئران. كما ربط المصريون بينها وبين الشمس، فكانت تُلقب بـ “عين رع” التي تضيء العالم وتنشر السلام. وقد انتشرت عبادتها خصوصًا في مدينة بوباستيس (تل بسطة بمحافظة الشرقية حاليًا)، التي أصبحت مركزًا دينيًا هامًا ومزارًا للآلاف في الأعياد.
عيد باستت واحتفالات الفرح
كانت احتفالات الإلهة باستت من أشهر الأعياد في مصر القديمة، ووصفتها المصادر اليونانية بأنها كانت مليئة بالموسيقى والرقص والأناشيد. كانت النساء يتزينّ بالزهور ويحملن التمائم التي تحمل صورة القطة، رمزًا للجمال والحظ السعيد. كما كان الكهنة يزينون تمثال باستت بالذهب والأحجار الكريمة، وتُقدم لها العطور والبخور رمزًا للنقاء والأنوثة.
القطط أبناء باستت المقدسين
اعتبر المصريون أن القطط تجسيد للإلهة باستت على الأرض، فكان من المحرم إيذاؤها أو قتلها. وكان أي شخص يؤذي قطة يُعاقب بشدة. وعند موت القطة، كان أهل البيت يحلقون حواجبهم حزنًا عليها، ثم تُحنّط القطة وتُدفن في مقابر خاصة مع الزهور والعطور. وقد كشفت البعثات الأثرية عن آلاف مومياوات القطط في منطقة سقارة وتل بسطة، مما يدل على عمق الإيمان بمكانتها الدينية.
القطط في الحياة اليومية والفن
لم تكن القطط مجرد رموز دينية، بل كانت جزءًا من الحياة اليومية في مصر القديمة. وُجدت صورها على الجدران بجوار النساء والأطفال، مما يدل على العلاقة الوثيقة بين القطة والأسرة. كما ظهرت في التماثيل الصغيرة والقلائد كرمز للحظ والحماية. كانت القطة بالنسبة للمصريين رمزًا للنظام والانسجام، لأنها تقتل الأفاعي وتحافظ على توازن البيت والطبيعة.
باستت في معتقدات ما بعد الحياة
في المعتقد الجنائزي، كانت الإلهة باستت ترافق الأرواح إلى العالم الآخر وتحميها من الشر. لذا كانت صورتها تُنقش على التوابيت أو تُوضع تماثيلها في المقابر. اعتقد المصريون أن القطة، بما تمثله من نقاء، قادرة على رؤية الأرواح والتواصل مع العالم الخفي، فكانت حارسة للبوابات بين الحياة والموت.
إن الإلهة باستت تمثل جانبًا فريدًا من الديانة المصرية القديمة التي ربطت بين الحيوانات والآلهة. فقد كانت رمزًا للأنوثة والحماية، وتجسدت صورتها في القطط المقدسة في مصر القديمة التي احتلت مكانة مميزة في المجتمع والدين والفن. ولا تزال أسطورة باستت حاضرة حتى اليوم كمثال على عبقرية المصري القديم في تحويل الطبيعة إلى رمز روحي خالد.



