تاريخ ومزارات

طارق بن زياد.. ابن قبيلة الصدف وقائد الفتح الإسلامي في شبه الجزيرة الايبيرية

أسماء صبحي
 
يعتبر طارق بن زياد أحد أشهر القادة العسكريين في التاريخين الأيبيري والإسلامي على حدٍ سواء، وسيرته العسكريَّة من أنجح السير التاريخيَّة، وسجل التاريخ اسمه في صفحاته نظراً لما حققه من إنجاز حين فتح وَقاد الفتح الإسلامي في شبه الجزيرة الايبيرية في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك وأقام دولة للمسلمين بها، استمرت لمدة ثمانية قرون.
 
هو طارق بن زياد البربري، ينتمي إلى قبيلة الصدف، التى كانت تقيم في جبال يلاد المغرب العالية الشديدة البطش، الكثيرة الغزو، وامتاز أفرادها بميلهم إلى التمرد والعصيان، وكانوا يدينون بالديانة الوثنية، ثم دخلت الاسلام حين تولى موسى بن نصير ولاية بلاد المغرب في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان.
 

ميلاده ونشأته

ولد عام 50هـ في ونشأ طارق بن زياد كباقي الأطفال المسلمين؛ حيث تعلم القراءة والكتابة، وحفظ بعض سور القرآن الكريم، والأحاديث النبويّة الشّريفة، وشب طارق طويل القامة، ضخم الهامة، أشقر اللّون، والتحق بجيش موسى بن نصير أمير المغرب، وأظهر شجاعة فائقة في القتال، ومهارة كبيرة في القيادة لفتت أنظار موسى بن نصير، فأُعجب بمهاراته وقدراته، فولَّاه على مقَدِّمة جيوشه بالمغرب ونجحا فى السيطرة على بلاد المغرب الأقصى حتى المحيط الأطلسي.
 

والي طنجة

عينه موسى بن نصير واليًا على مدينة طنجة؛ وترك تحت تصرف طارق تسعة عشر ألفًا من البربر بأسلحتهم وعددهم الكاملة، مع نفر قليل من العرب ليعَلِّموهم القرآن وفرائض الإسلام، أمَّا موسى فقد عاد إلى القيروان.
 
وفكر طارق فى فتح الاندلس عندما اتصل به الكونت يوليان -حاكم سبتة القريبة من طنجة – يطلب منه المساعدة للتخلص من ظلم لزريق حاكم الاندلس الذي كرهه الناس، وفكَّروا في خلعه من الحُكم والثورة عليه بالاستعانة بالمسلمين.
استأذن طارق موسى بن نصير أمير المغرب في فتح الأندلس، الذى استأذن بدوره خليفة المسلمين الوليد بن عبد الملك وطلب منه أن يسبق الفتح حملة استطلاعية يكشف بها أحوال الأندلس قبل أن يخوض أهوال البحر بقياده طريف بن مالك، وقامت الحملة بدراسة البلاد، وتعرَّفوا جيدًا عليها، ولم تلقَ هذه الحملة أية مقاومة، وعادت بغنائم وفيرة.
 

فتح الأندلس

وبعد مرور أقلّ من عام من عودة حملة طريف تحرّك طارق بجيشه المكوّن من سبعة آلاف مقاتل، متجها إلى الأندلس عابراً مضيقَ البحر المتوسط إلى الأندلس، وتجمَّع المسلمون عند جبل صخري عرف فيما بعد باسم “جبل طارق” فى الخامس من شهر رجب لسنه 92 هـ .
 
وأقام طارق بتلك المنطقة عدَّة أيام، بعد أن أحرق سفنه بخطبة شهير قال في مطلعها: “أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر”، وبنى بها حصنًا لتكون قاعدة عسكرية بجوار الجبل، وعهد بحمايتها إلى طائفة من جنده لحماية ظهره في حالة اضطراره إلى الانسحاب.
 
وكانت مدينة قرطاجنّة أول مدينة فتحها طارق، بعد معارك عنيفه بينه وبين لذريق ملك القوط بالقرب من وادي لكة، وكان اللقاء قويًّا ابتدأ في 28 من رمضان 92ﻫ مستمرًّا ثمانية أيام، أبلى المسلمون خلالها بلاءً حسنًا، وانهزم لذريق، وهرب مع من بقي من جيشه رغم تفوق عدوِّهم في العدد والعدَّة، ولم ترهبهم قوَّته ولا حشوده.
 
بعد معركة وادي لكة واصل طارق سيره شمالاً مخترقًا هضاب الأندلس؛ مرسلا حملات عسكرية صغيرة لفتح المدن؛ مثل: قرْطُبَة وغَرْنَاطَة وإِلْبِيرة ومَالَقَة، حتى دخل طلَيْطلَة بعد رحلة طويلة شاقَّة، بلغت ما يزيد على ستمائة كيلو متر عن ميدان المعركة التي انتصر فيها.
 
ولما دخل طارق مدينة طلَيْطلَة أبقى على مَنْ ظلَّ بها من السكان، وأحسن معاملتهم، وترك لهم كنائسهم، وتابع زحفه شمالاً حتى وصل إلى خليج بسكونيه، ثم عاد ثانية إلى طليطلة، طالبًا من موسى بن نصير المزيد من الرجال والعتاد لمواصلة الفتح ونشر الإسلام في تلك المناطق.
 
عبَر موسى بن نضير للأندلس على رأس ثمانية عشر ألف جندي في (رمضان 93هـ= يونيه 712م)، حتى وصل إلى طلَيْطلَة والتقى بطارق بن زياد، وبعد أن استراح القائدان قليلاً في طليطلة عاودا الفتح مرَّة ثانية، وافتتحا سَرَقسْطَة وطَرَّكونة وبَرْشلونَة وغيرها من المدن، ثم افترق الفاتحان، وسار كلّ منهما في ناحية حتى أتمَّا فتح الأندلس.
 

العودة إلى دمشق

وقع خلاف بين القائدين فقد تمسك طارق بدفع الخمس الذي ينص عليه القرآن إلى بيت المال، وتوزيع ما بقي من الغنائم على الجند، وقد بلغ النزاع بين القائدين درجة رأى معها الخليفة أن يفصل في هذا الخلاف بنفسه.
 
وصلت رسالة من الخليفة الوليد بن عبد الملك يأمرهما فيها بالتوقُّف عن الفتح، والعودة إلى دمشق، عاصمة الدولة الأموية، فوصلاها بعد تولي سليمان بن عبد الملك الخلافة بعد وفاة أخيه الوليد الذي قرر عزل كل من موسى وطارق واستبقاهما فى دمشق.
 

وفاته

وقد تعرض موسى بن نصير لبعض المضايقات من الخليفة سليمان بن عبد الملك، لكنه سرعان ما ندم، وأخذه معه إلى الحج، أما طارق بن زياد فقد آثر أن يعيش بعيدًا عن الأضواء، يعبد الله بعيدًا عن مسرح الشهرة وضجيج السياسة، إلى أن وافته المنيَّة سنة 720م، مكتفيًا بما حقَّقه من فتوحات عظيمة خلَّدت اسمه بين الفاتحين العظام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى