رمزية عين حورس… سر الحماية والنور في الحضارة الفرعونية
كتبت شيماء طه
من بين الرموز التي خلدها التاريخ المصري القديم، تبقى عين حورس واحدة من أكثر الرموز سحرًا وغموضًا ، فهي ليست مجرد شكل زخرفي على الجدران أو التمائم، بل رمز روحي يجسد فكرة الحماية الإلهية والانتصار على الشر.
عاشت عين حورس عبر آلاف السنين لتصبح أيقونة تتجاوز حدود الزمان، وتُستخدم حتى اليوم كرمز للسلام والطاقة الإيجابية ودرء الحسد.
تعود قصة عين حورس إلى الصراع الأسطوري بين الإله “حورس” ابن “إيزيس” و”أوزوريس”، والإله “ست” الذي قتل والده.
وفي معركتهما الكبرى، فقد حورس إحدى عينيه أثناء الدفاع عن الحق والعدل. لكن الإله “تحوت”، رب الحكمة، أعاد تكوين العين المفقودة بقواه السحرية، فأصبحت “عين حورس” رمزًا للشفاء والاكتمال بعد الفقد، ودلالة على عودة النور بعد الظلام.
رمز الحماية والقوة الإلهية
استخدم المصريون القدماء عين حورس كتعويذة للحماية من الشر والحسد والأمراض، كانت تُنقش على المقابر والتوابيت وعلى جدران المعابد لتضمن للمتوفى طريقًا آمنًا إلى العالم الآخر. كما كان البحارة يرسمونها على مراكبهم لتقودهم بأمان في نهر النيل، معتقدين أنها ترى الشر قبل أن يراهم.
ولأنها تمثل التوازن بين القوة والنور، أصبحت العين شعارًا مقدسًا في كل ما يتعلق بالشفاء والطهارة والطاقة الإيجابية.
دلالات العين الرياضية والروحية
من المثير أن المصريين القدماء ربطوا بين أجزاء عين حورس ومفاهيم علمية دقيقة. فقد استخدموا أجزاء العين الستة لتمثيل الكسور الحسابية التي تعبّر عن الحواس الست: السمع، البصر، الفكر، الشم، التذوق، واللمس. بذلك تحوّلت العين إلى رمز للوعي الكامل واتحاد الحواس في جسد الإنسان،
هذه الفكرة توضح أن عين حورس لم تكن فقط رمزًا دينيًا، بل أيضًا تجسيدًا لعلم وفكر دقيقين سبق عصرهما.
عين حورس في العصر الحديث
ما زالت رمزية عين حورس حيّة في الثقافة المصرية والعالمية حتى اليوم، تُستخدم على التمائم والمجوهرات واللوحات الفنية كرمز للحماية والطاقة الإيجابية. كما تُستعمل في الطب الشعبي وفي بعض الثقافات كتعويذة ضد “العين الشريرة”
وأصبح هذا الرمز كذلك جزءًا من التصميمات المعاصرة والعلامات التجارية التي تبحث عن القوة والهوية المصرية الأصيلة.
عين حورس ليست مجرد أسطورة، بل فكرة خالدة تُجسّد الإيمان المصري القديم بأن النور دائمًا ينتصر على الظلام، وأن القوة الروحية تتفوّق على الشر، هي رمز الإنسانية الباحثة عن التوازن والطمأنينة، وعلامة على أن الحماية الحقيقية تأتي من النقاء الداخلي والإيمان العميق، وربما لهذا السبب، تظل عين حورس مفتوحة في ذاكرة الزمن… تراقب، تحمي، وتنير الدرب لكل من يؤمن بالنور.



