نساء القصر في الأندلس.. حين تحولت الجواري إلى صانعات قرار
نساء القصر في الأندلس، في قلب الأندلس، حيث كانت التحولات السياسية تتسارع والمؤامرات تنسج في الظل، لعبت الجواري، أو ما عرف بأمهات الأولاد، أدوارا مؤثرة في صناعة التاريخ هؤلاء النساء، اللواتي أنجبن للأمراء، امتلكن نفوذا سياسيا واسعا تجاوز حدود الحريم ووصل إلى مراكز القرار، خلف جدران القصور، تحركت خيوط الدسائس، وتبلورت خطط السيطرة، وكانت النساء، بشكل مباشر أو غير مباشر، يشعلن فتيل الأحداث أو يوجهن مسارها.
قصة نساء القصر في الأندلس
من بين تلك الشخصيات النسائية، برز اسم طروب، الجارية الإسبانية التي جاءت من منطقة تقع حاليا في جنوب فرنسا، كما أن طروب كانت من أجمل نساء الأمير عبد الرحمن الأوسط، وأكثرهن تأثيرا في قلبه ومع ذلك، لم يكن ولاؤها له كاملا، فقد سعت بكل ما تملك من دهاء وطموح إلى تمكين ابنها عبد الله من اعتلاء عرش الأندلس، رغم أنه لم يكن الابن الأكبر جمعت المال، واستمالت العامة والخاصة، وسخرت نفوذها لدعم حلمها السياسي.
في المقابل، كان محمد، الابن الأكبر لعبد الرحمن، هو الوريث الشرعي للولاية لم تذكر المصادر اسم والدته، ويُرجح أنها توفيت بعد ولادته، فتولت جارية أخرى تدعى الشفاء تربيته الشفاء كانت امرأة جميلة، تقية، حكيمة، وقد أرضعته ورعته منذ صغره هذا الوضع أثار غيرة طروب، التي رأت في محمد عقبة أمام طموحها لابنها عبد الله.
لم تكتف طروب بالمنافسة الظاهرة، بل اتجهت إلى التحالف مع نصر الخصي، حاجب القصر وصاحب النفوذ الكبير، لتدبير مؤامرة تهدف إلى التخلص من الأمير عبد الرحمن وابنه محمد عبر دس السم لهما في تلك الفترة، وصل إلى قرطبة طبيب عراقي يعرف بالحراني، نسبة إلى مدينة حران استغل نصر وجوده وطلب منه إعداد سم قاتل، مقابل ألف دينار، الطبيب لم يجرؤ على الرفض خوفا من بطش نصر، لكنه تصرف بذكاء، فأبلغ جارية تدعى فجر بتفاصيل المؤامرة.
فجر نقلت الخبر إلى الأمير عبد الرحمن، الذي اتخذ احتياطاته، وعندما قدم نصر الشراب المسموم للأمير، أمره عبد الرحمن بشربه بنفسه، وحاول نصر التهرب، مدعيا أن نفسه تعاف الشراب، لكن الأمير أصر بشدة، اضطر نصر لتناول السم، ثم أسرع إلى منزله طالبا النجدة من الطبيب الحراني، نصحه الطبيب بشرب لبن الماعز كعلاج، لكن الموت كان أسرع، ففارق نصر الحياة في شتاء عام 850، قبل أن يصل إليه اللبن.
بعد أقل من عامين، وفي عام 852، توفي الأمير عبد الرحمن عن عمر ناهز الستين، لم تؤكد المصادر تورط طروب في وفاته، لكن الشكوك ظلت تحوم حولها، خاصة أنها لم تتوقف عن محاولة تتويج ابنها عبد الله رغم ذلك، لم تنجح في مسعاها، إذ تولى محمد الحكم بعد وفاة والده، ومع صعود محمد إلى السلطة، تراجع نفوذ طروب، وبدأ نجمها في الأفول، خصوصا بعد تقدمها في العمر وغياب الأمير الذي كان مصدر قوتها.
لم تكرر طروب محاولاتها، واختفى اسمها من سجلات التاريخ الأندلسي، تاركة خلفها قصة مليئة بالطموح والمكر، سجلها المؤرخ الأندلسي ابن القوطية في كتابه تاريخ افتتاح الأندلس، كواحدة من أبرز الروايات التي وثقت تلك المرحلة الحساسة.



