السامري والعجل الذهبي سر انحراف بني إسرائيل وإلهامهم لعبادة الأصنام

لم يكن اختيار بني إسرائيل لعبادة العجل الذهبي حدثًا مفاجئًا، بل جاء نتيجة تأثيرات ثقافية ودينية عميقة امتدت عبر العصور، وفق القرآن الكريم في سورة الأعراف الآية 148، صنع قوم موسى بعد غيابه عجلاً من حليهم الذهبية، وهو تمثال له خوار يشبه صوت البقر، لكنه بلا روح ولا يملك القدرة على الكلام أو الهداية.
قصة السامري والعجل الذهبي
صنع السامري هذا العجل ليكون رمزًا لإله “بعل”، الذي عبدته شعوب ما بين النهرين، وكان يمثل على هيئة ثور ذهبي يرمز للخصوبة والقوة ويرتبط بالزراعة والمطر في معتقداتهم، كلمة “بعل” تعني في اللغات السامية “السيد” أو “الملك”، وكانت تطلق على آلهة تمثل ظواهر طبيعية مثل المطر والزراعة.
تعددت ألقاب بعل، مثل بعل صفوان إله الشمال وبعل سميم إله السماء، وغيرها، وانتشرت عبادته بين الكلدانيين والبابليين، ووصلت إلى اليونانيين تحت اسم فيلوس والرومان باسم بيلوس، وروّج لها الفينيقيون من خلال تجارتهم الواسعة.
اعتمد العبرانيون على هذه الثقافة عند استقرارهم في أرض كنعان، فاختاروا العجل الذهبي لضمان نجاح زراعتهم، مع تمسكهم بإيمانهم الأصلي، وكان الذهب المادة الأساسية لصنع العجل لأنه يسهل تشكيله وإصلاحه مقارنة بالجواهر الصلبة كالماس والياقوت.
استعار بنو إسرائيل الحلي الذهبية من المصريين بحجة إرجاعها، لكنهم أخذوها معهم عند الخروج من مصر، وبعد غرق فرعون وقومه استخدم السامري هذا الذهب لصنع العجل مستلهمًا عبادة المصريين للثور أبيس، الذي كان رمزًا للقوة والخصوبة، خاصة مع ارتباط العجل بحراثة الأرض بعد فيضان النيل.
اختيار العجل لم يكن اعتباطيًا، بل تأثر بنو إسرائيل بما شاهدوه من عبادة الأصنام عند عبورهم على قوم يعبدونها، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا مماثلاً كما ورد في الأعراف 138، لكن القرآن يوضح أن هذا العجل لا يملك القدرة على الكلام أو الهداية، ما يبطل أساس عبادته، لأن العبادة تتطلب معبودًا قادرًا على إرشاد العباد إلى الخير في الدنيا والآخرة.
عند عودة موسى من ميقات ربه بعد أربعين يومًا، وجد قومه يعبدون العجل، فغضب وألقى الألواح التي تحمل المنهج الإلهي، وأمسك برأس أخيه هارون ليجره إليه لأنه ترك القوم ينحرفون، ودافع هارون عن نفسه قائلاً إن القوم استضعفوه وكادوا يقتلوه، وطلب من موسى ألا يُحرجه أمام الأعداء أو يجعله مع الظالمين كما ورد في الأعراف 150.



