حوارات و تقارير

الكويت ومفهوم “البيت الديوانية”: ملتقى السياسة والمجتمع عبر الأجيال

أسماء صبحي – تعد البيت الديوانية في الكويت أكثر من مجرد مجلس تقليدي أو مكان لاستقبال الضيوف. إنها مؤسسة اجتماعية وسياسية أصيلة متجذرة في عمق المجتمع الكويتي منذ قرون. وتلعب دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام، وتداول الشؤون اليومية، والتفاعل مع القضايا الوطنية والدولية.

وبينما تمر الأجيال وتتبدل أنماط الحياة، تبقى الديوانية ركيزة من ركائز الثقافة الكويتية. شاهدة على تحولات المجتمع، ومستوعبة لكل التناقضات والآمال.

ما هي البيت الديوانية؟

يرجع أصل كلمة “ديوانية” إلى الكلمة الفارسية “ديوان”، التي تعني السجل أو المجلس الرسمي. ثم تطورت لتأخذ طابعًا اجتماعيًا في البيئة الخليجية وخاصة في الكويت. ومع مرور الزمن أصبحت الديوانية مؤسسة منزلية شبه يومية يفتح فيها رب الأسرة بيته للأصدقاء والجيران والمعارف. من بعد صلاة المغرب أو العشاء وحتى وقت متأخر من الليل، لمناقشة كل ما يدور في الحياة من قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

تتسم الديوانية بطابع غير رسمي، لكنها تؤدي وظائف شديدة الأهمية. حيث يقال في الكويت إن “ما لا يقال تحت قبة البرلمان، يقال في الديوانية”. ما يعكس قدرتها على احتضان كل الآراء والاختلافات دون رقيب، وفي أجواء يغلب عليها الاحترام المتبادل والود.

الديوانية والسياسة

من أبرز ما يميز الديوانية الكويتية هو دورها السياسي العميق، وهو ما يجعلها حالة فريدة بين دول الخليج. فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين، بدأت الديوانيات تتحول إلى منصات لمناقشة القضايا العامة وتوجيه النقد للحكومة وطرح البدائل خاصة في فترات التوتر السياسي.

ففي عام 1938، مثلًا، كانت الديوانيات أحد المحركات الأساسية التي دعمت المطالبة بإنشاء مجلس تشريعي. حيث التقى المثقفون والتجار والشباب في هذه المجالس الشعبية لتبادل الآراء وتوحيد المواقف. وفي أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990، كانت الديوانيات ملاذًا للكويتيين الذين بقوا داخل البلاد. حيث تحولت إلى مراكز تعبئة وطنية، ناقشت الخطط، وتداولت الأخبار، وعززت من صمود المجتمع.

ويشار في هذا السياق إلى دراسة للباحثة الأردنية هلا شنيقات بعنوان “الديوانية الخليجية وتحولات المجتمع المدني”. حيث أوضحت أن الديوانية الكويتية تشكل أحد أهم أشكال الديمقراطية الشعبية المباشرة في الخليج. إذ توفر منبرًا دائمًا للنقاش السياسي والاجتماعي بلا قيود مؤسسية. وهو ما منحها وزنًا في الحياة العامة يفوق وزن بعض المؤسسات الرسمية

الهوية الكويتية

الديوانية ليست فقط مكانًا للحديث، بل هي انعكاس مباشر للهوية الكويتية. فيها تتجلى قيم الكرم، والاحترام، والانفتاح، والتقاليد المجتمعية التي تنتقل من جيل إلى آخر. وهي من الأماكن القليلة التي تسمح بتفاعل مباشر بين الأجيال. حيث يجلس الشاب إلى جوار الشيخ، ويتعلم منه الحكاية والحكمة والخبرة.

ويصف الدكتور عايد المناع، أستاذ العلوم السياسية، الديوانية بأنها برلمان شعبي حقيقي، فيها يتم تداول القضايا، وتسمع الأصوات، وينتقد القرار، ويصنع الرأي. كما يشير إلى أن الكثير من التحولات السياسية داخل المجتمع بدأت إرهاصاتها الأولى داخل مجالس الديوانيات قبل أن تصل إلى العلن.

ومن الملفت أن العديد من النواب في مجلس الأمة الكويتي، قد بدأوا حياتهم العامة من خلال الديوانيات. حيث كونوا جماهيرهم، وناقشوا هموم الناس، واستمعوا لمطالبهم.

البيت الديوانية في الثقافة الشعبية

للديوانية حضور طاغي في الوجدان الكويتي، يظهر في الأدب، والمسرح، والمسلسلات، والأمثال الشعبية. فنجد في المسلسلات التراثية القديمة مثل “درب الزلق” و”الأقدار” مشاهد متكررة للديوانية كمكان للحكمة والطرائف والنقاش. ما يدل على عمقها في المخيال الشعبي.

وفي أمثالهم يقول الكويتيون: “اللي ما له ديوانية ما له ربعية”. في إشارة إلى أن الإنسان الذي لا يشارك مجتمعه في أحاديثه ونقاشاته هو شخص معزول عن محيطه.

تحولات العصر

مع تطور التكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت بعض مظاهر الديوانية تنتقل إلى العالم الرقمي. فقد ظهرت “ديوانيات إلكترونية” على منصات مثل “X” و”كلوب هاوس”. حيث يتبادل الكويتيون النقاشات السياسية والاجتماعية من خلف الشاشات. غير أن هذه التحولات لم تستطع أن تنهي الدور التقليدي للديوانية الواقعية، التي لا تزال تحتفظ بقيم التواصل الإنساني المباشر وحرارة الجلسة.

الديوانية النسائية

رغم أن الديوانيات تقليديًا كانت مخصصة للرجال، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت بروز ما يعرف بـ”الديوانية النسائية”. والتي أسستها نخبة من المثقفات والناشطات السياسيات. هذه المجالس الخاصة أصبحت منصات لتداول قضايا المرأة، والحديث عن السياسات العامة، والنقاش حول الإصلاحات الاجتماعية. وقد حظيت بدعم وتقدير من المجتمع المدني الكويتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى