تاريخ ومزارات

صندوق خشبي إلى عربة خارقة.. حكاية تطور سيارات الإطفاء في مصر عبر 256 سنة

في قلب مصر القديمة، منذ أكثر من مئتين وستة وخمسين سنة، ظهرت أول سيارة إطفاء على الإطلاق، وكانت تحفة يدوية صنعتها الأيدي الإنجليزية عام 1766. لم تكن السيارة سوى صندوق خشبي بسيط مثبت على أربع عجلات، تجره الخيول بسرعة عبر شوارع المدينة الضيقة. لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت رمزًا للأمل في مواجهة النيران الغاضبة.

حكاية تطور سيارات الإطفاء في مصر

اعتمدت هذه العربة على طلمبة يدوية تعمل بالضغط، يحركها أربعة من رجال الإطفاء الشجعان، يقف اثنان على اليمين واثنان على اليسار، يحركون الأذرع بحركات منتظمة تشبه رقصة متناسقة مع نداء الحياة. كانت كل حركة من الذراع تسحب الماء من بئر أو ترعة قريبة، وتدفعه عبر الخرطوم ليطفئ النيران المشتعلة أمامهم.

في إحدى الليالي المقمرة، سمع سكان أحد الأحياء القديمة صوت صراخ مفزع، اندلع حريق هائل في بيت مزين بالمشربيات الخشبية، اشتعلت فيه النار بسرعة كأنها عاصفة. انطلق رجال المطافئ بكل شجاعة، سحبوا الماء من الترعة المجاورة، ملأوا الخزان الخشبي، وانطلقت الخيول بسرعة وسط غبار الشوارع. خلال لحظات، كانت المياه تتدفق من الخرطوم لتروي لهب النيران الهائج حتى خمدت بالكامل. لم تكن تلك لحظة درامية من رواية، بل واقعة حقيقية شهدتها مصر منذ أكثر من قرنين ونصف.

ومع مرور الوقت، وتحديدًا في عهد محمد علي، شهدت عربات الإطفاء نقلة كبيرة، حيث ظهرت عربات جديدة تعمل بالبخار، محملة بقوة الغلايات التي تم اختراعها حديثًا، بحلول عام 1885، بدأت أول عربة بخارية تسير في شوارع المدينة، تحمل على عاتقها مهمة إنقاذ الأرواح من الخطر.

ثم جاء عام 1936، ليشهد ظهور أول عربة إطفاء بمحرك متكامل، يعمل بنظام المنفلة اليدوي. بني هيكلها من الحديد، بينما صُنعت الأجزاء الأخرى من الخشب، وزُودت بسلم خشبي وجرس يدوي يعلن قدومها وسط الطرقات.

وفي عام 1940، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، دخلت إلى مصر صافرات الإنذار، ترن لتحذر الناس من خطر قادم أو حريق محتمل. في تلك الفترة، ظهر أيضًا سلم إطفاء معدني مثبت على عجلات، يستطيع الصعود إلى الأدوار العليا لمواجهة النيران في أعالي المباني.

من عربة تجرها الخيول إلى عربات تعمل بالبخار، ومن محركات بدائية إلى آليات متطورة، امتدت رحلة سيارات الإطفاء في مصر على مدار قرون، حملت خلالها قصص شجاعة وتطور، صنعها رجال تحدوا النيران لحماية الأرواح والممتلكات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى