تاريخ ومزارات

العسكر.. العاصمة التي أخفتها المجاعة وكتبت فصلًا جديدًا في تاريخ مصر الإسلامية

حين دخل عمرو بن العاص مصر عام واحد وعشرين هجريًا أنشأ مدينة الفسطاط، كأول عاصمة إسلامية للبلاد وظلت الفسطاط حاضرة الدولة، حتى سقطت الخلافة الأموية سنة مئة واثنين وثلاثين هجريًا بعد موقعة الزاب، التي أنهت حكم بني أمية وطاردت فيها جيوش العباسيين الخليفة الأموي مروان بن محمد حتى وصل إلى مصر، وهناك حاول مروان إضرام النار في أجزاء من الفسطاط بهدف إعاقة تقدم العباسيين، لكن محاولته لم تنجح وقتل في قرية بوصير القريبة من بني سويف ورفع العباسيون رأسه على رمح في إعلان واضح بسيط بنقل الحكم إليهم.

تاريخ مدينة العسكر

ومع دخول العباسيين لمصر لم يختاروا الفسطاط مقرًا لإقامتهم لأسباب متعددة، ربما بسبب آثار الحريق أو تأثرًا بعادة الملوك في الشرق بإنشاء عواصم جديدة تحمل طابع المرحلة الجديدة، ومن هنا برزت مدينة العسكر إلى الوجود عندما أسسها القائد صالح بن علي بن عبد الله بن العباس سنة ثلاث وثلاثين ومئة للهجرة في جنوب الفسطاط لتكون ثاني عواصم مصر الإسلامية.

جاء اسم المدينة مشتقًا من كلمة المعسكر، كما أشار إليها المؤرخ ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر أما موقعها، فقد حدده محمد بك رمزي في القاموس الجغرافي للبلاد المصرية حيث امتدت على شاطئ النيل من قناطر مجرى العيون جنوبًا إلى ميدان السيدة زينب شمالًا ومن شارع السد غربًا إلى منطقة السيدة نفيسة شرقًا.

في العسكر شيد العباسيون بيوتهم ومقراتهم وبنى صالح بن علي دار الإمارة، وأقام ابنه الفضل مسجد العسكر الذي صار مزارًا لأهل المدينة وسرعان ما ازدهرت المدينة الجديدة والتحمت تدريجيًا مع الفسطاط لتشكل وحدة عمرانية متكاملة تضمنت شوارع منظمة ومساجد عامرة ومنازل فسيحة وبساتين خضراء.

على مدار مئة وثمانية عشر عامًا تولى حكم العسكر خمسة وستون واليًا باسم الخلافة العباسية وتحولت المدينة إلى مركز نشط للتجارة والإدارة والمال حتى جاء أحمد بن طولون سنة ست وخمسين ومئتين للهجرة فأنشأ مدينة القطائع التي أصبحت عاصمة جديدة لمصر ومع ذلك ظلت العسكر حاضرة حتى بدأت تخسر مكانتها تدريجيًا.

مع مرور الوقت تراجعت مكانة العسكر وتضاءلت أهميتها حتى اختفت معالمها تمامًا في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله الذي واجه البلاد خلال فترة حكمه مجاعة مدمرة عرفت بالشدة العظمى قضت على كثير من معالم البلاد ومنها مدينة العسكر فلم يتبق من المدينة سوى اسمها كذكرى لحقبة مجيدة من تاريخ مصر الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى