د. محمد السعيد إدريس يكتب: سباق المبادرات الإقليمية بين بيزشكيان ونيتانياهو
من أهم النتائج التى ستفرض نفسها بعد انتهاء حرب الإبادة الراهنة على قطاع غزة التى تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطينى انتقاماً لهجوم «طوفان الأقصي» من ناحية ، وتوظيفا لمخططات جرى إعدادها مسبقاً لاستعادة السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة توطئة لضمه كاملاً إلى كيان الاحتلال من ناحية أخرى هي: «حتمية ظهور نظام إقليمى جديد للشرق الأوسط» يعبر عن معادلات توازن القوى الإقليمية الجديدة وعلى الأخص الطرفين المحوريين فى المواجهة الدائرة الآن على أرض قطاع غزة: إسرائيل ووراءها كل حلفائها الدوليين والإقليميين، فى مواجهة «محور المقاومة» الذى تقوده إيران ويضم بالأساس حركتى «حماس» و«الجهاد الإسلامي» فى فلسطين ، وحزب الله فى لبنان، وأنصار الله «الحوثيين» فى اليمن وتنظيمات المقاومة العراقية، مدعومين من قوى دولية مساندة (روسيا والصين) وأطراف إقليمية أخرى .هذه المعادلات لم تكتمل معالمها بعد ، نظراً لأن احتمالات الحرب مازالت مفتوحة خاصة فى ضوء الخطاب الذى ألقاه بنيامين نيتانياهو رئيس حكومة كيان الاحتلال أمام الكونجرس الأمريكى (الأربعاء 24 يوليو الحالى) وأكد فيه إصراره على استمرار الحرب حتى تحقيق الانتصار الكامل وتحقيق كل الأهداف، واستعداد إسرائيل لخوض حرب، باتت ضرورية مع حزب الله فى شمال كيان الاحتلال. ومعنى ذلك أن معظم الرؤى التى تجتهد ، من كل الأطراف المعنية بالأزمة، لتحديد أهم معالم ما يعرف بـ «اليوم التالي» أى معالم ما بعد توقف الحرب سواء ما يتعلق بمستقبل قطاع غزة ومستقبل حركة «حماس» أو مستقبل مشروع التسوية المحتمل، مازالت ضمن حدود التخمينات، ومحاولة تهيئة البيئة الإقليمية والدولية لتقبل مثل تلك الأفكار توطئة لعملية «هندسة مستقبلية» للنظام الجديد فى الشرق الأوسط الذى سوف يفرض نفسه على أنقاض نظام ما قبل هجوم «طوفان الأقصي» وما فرضه وأحدثه من تداعيات ستكون حتماً من أهم محددات معالم هذا النظام الجديد وعلى الأخص ذلك الانكسار الذى أصاب الهيبة والمكانة الإسرائيلية وهز بعنف مصداقية كونها قوة إقليمية عظمى قادرة على حماية المصالح الأمريكية وحماية أصدقاء أمريكا فى الشرق الأوسط ، وهو ما يسمى «الدور الوظيفى الإسرائيلي»، وفى ذات الوقت تلك الجدارة التى اكتسبها «خيار المقاومة» وأطراف «محور المقاومة» على حساب «خيار التسوية» أو «الخيار السلمي» الذى فرض نفسه منذ توقيع «معاهدة أوسلو» الفلسطينية – الإسرائيلية (سبتمبر 1993)، وقبلها بالطبع «مؤتمر مدريد للسلام» عام 1991. هذا يعنى أننا الآن فى مرحلة ما يمكن اعتباره مرحلة «صراع إرادات» بين نظام ما قبل «طوفان الأقصي» بكل معادلاته وخصوصياته، التى كانت وصلت إلى ذروتها فى المشروع الذى قدمه بنيامين نيتانياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك (سبتمبر 2023) وبين المرحلة الجديدة التى ستعقب وقف الحرب على غزة ، فى خطابه المشار إليه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تحدث نيتانياهو عن «شرق أوسط جديد» تقوده إسرائيل ومحور ارتكازه ما كان قد سبق إعلانه فى قمة مجموعة الدول العشرين (نيودلهى – سبتمبر 2023) من توجه لتأسيس خط ملاحى بحرى – برى يبدأ من الهند ويتجه إلى إسرائيل ومنها بحرياً إلى أوروبا. فى هذا المشروع تحدث نيتانياهو بغطرسة شديدة وكأنه قد أضحى المالك الوحيد للقرار فى الشرق الأوسط وأنه من «سيهندس» النظام الجديد على هواه بما يخدم مشروع «الدولة اليهودية الكبري» فى الشرق الأوسط، ومن هنا كانت صدمته اللامحدودة مما أحدثه «طوفان الأقصي» الذى قلب كل طموحاته «رأساً على عقب» ، وأعاد كيان الاحتلال إلى حجمه الطبيعى «كيان هش وضعيف وتابع» غير قابل للحياة دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة الأمريكية .
من أبرز الاجتهادات الراهنة بخصوص الإجابة عن سؤال: أى مستقبل ينتظر الشرق الأوسط بعد أن تتوقف حرب غزة ، تأتى بالطبع الاجتهادات الإسرائيلية، وتواجهها فى اتجاه معاكس اجتهادات إيرانية، باعتبار أن صراع الإرادات الإقليمية أخذ يتركز فى إيران وإسرائيل كطرفين مباشرين فى الحرب الراهنة فى غزة، فى حين أن تركيا كقوة إقليمية ثالثة مازالت مواقفها غير القادرة على حسمها حول تبنى أو دعم أى من خيارى المواجهة حول فلسطين: خيار المقاومة الذى تدعمه إيران أم خيار التسوية السلمية .السباق بين إسرائيل وإيران فى طرح رؤى مستقبلية للإقليم الشرق أوسطى بعد توقف الحرب فى غزة أخذ شكل «سباق مبادرات» بين بنيامين نيتانياهو رئيس حكومة كيان الاحتلال وبالتحديد الأفكار التى طرحها فى خطابه أمام الكونجرس الأمريكي، وبين الرئيس الإيرانى المنتخب الدكتور مسعود بيزشكيان الذى من المقرر أن يحلف اليمين الدستورية اليوم (الثلاثاء 30 يوليو 2024) أمام «مجلس الشوري» (البرلمان) لبدء تولى مسئولياته الرئاسية ، وما طرحه هو الآخر من أفكار وتصورات لدور إيران وعلاقاتها الإقليمية فى السنوات المقبلة ، خاصة ما طرحه من مبادرة فى شكل «رسالة مفتوحة» إلى الجوار الإقليمى لإيران، تحدث فيها عن الأمن والتكامل والتعاون بين إيران وجوارها الإقليمى العربي، وإنهاء الأزمات والصراعات العسكرية، واعتماد «الحوار العميق والبناء والهادف» لتأسيس التعاون على مختلف الأصعدة والمجالات باعتبار «أننا جميعاً نعيش فى جغرافيا واحدة» .نيتانياهو ركز أمام الكونجرس على مركزية التحالف الإسرائيلى – الأمريكى بمشاركة حلفاء إقليميين لمواجهة «محور الإرهاب» الذى تقوده إيران، ولخص رؤيته لـ «اليوم التالي» للشرق الأوسط في: «تحالف دولى – إقليمى (تقوده إسرائيل) بمشاركة أمريكية يحمل اسم «تحالف إبراهام».هذه مجرد بدايات .



