يوغرطة: الملك الأمازيغي الذي تحدى روما
أسماء صبحي – في تاريخ المغرب الكبير، برزت شخصيات تركت بصمة عميقة في مسيرة الشعوب الأمازيغية والعربية على حد سواء. ومن أبرزها الملك يوغرطة ملك نوميديا الذي قاد واحدة من أطول وأعقد حروب المقاومة ضد الإمبراطورية الرومانية. فلم يكن مجرد قائد عسكري بل كان سياسياً بارعاً عرف كيف يستغل الظروف ليبني تحالفات ويواجه قوة عظمى كروما بكل دهاء وشجاعة.
نشأة يوغرطة
ولد ملك نوميديا حوالي عام 160 قبل الميلاد في مملكة نوميديا التي كانت تقع في المناطق الممتدة بين الجزائر وتونس الحالية. ونشأ في كنف عائلة ملكية وعرف منذ صغره بذكائه وقوته الجسدية وقدرته على كسب احترام الفرسان والمحاربين.
شارك في الحملات العسكرية مبكراً مما صقل خبرته القتالية وأتاح له فرصة التعرف على أساليب الحرب الرومانية. وبعد وفاة الملك ميكيسا خاض يوغرطة صراعاً على السلطة ضد أقربائه لينجح في النهاية في فرض نفسه ملكاً على نوميديا.
حربه مع روما
دخل يوغرطة في مواجهة مباشرة مع روما عام 112 قبل الميلاد، فيما عرف تاريخياً بـ”الحرب اليوغرطية”. وكانت هذه الحرب معقدة وطويلة حيث استمرت أكثر من سبعة عشر عاماً. واستغل يوغرطة معرفته الجغرافية بالمنطقة لشن حرب عصابات ضد الجيوش الرومانية. وأظهر براعة في كسب القبائل المتحالفة، مما جعل المواجهة أكثر صعوبة على روما.
في الوقت نفسه، لم يتردد في استخدام أساليب الدبلوماسية والرشوة لكسب الوقت وإرباك خصومه. لكن مع مرور الوقت بدأت موازين القوى تميل لصالح روما، خصوصاً مع تطور استراتيجيات قادتها العسكريين مثل ماريُس وسولا.
الأسر والنهاية
بعد سنوات من الصراع، أسر ملك نوميديا بالخيانة على يد الملك بوكوس ملك موريطانيا (المغرب الأقصى) الذي سلّمه للرومان عام 105 قبل الميلاد. وأخذ مكبلاً إلى روما حيث سجن وأعدم عام 104 قبل الميلاد. ورغم نهايته المأساوية بقي اسمه خالداً كرمز للمقاومة والصمود.
أثر يوغرطة في الذاكرة التاريخية
وما يميز شخصية ملك نوميديا أنه لم ينظر إليه فقط كملك محلي بل كبطل من أبطال شمال إفريقيا بأسره. فقد جسد روح التمرد على السيطرة الأجنبية وألهم الأجيال اللاحقة في مقاومة الغزو والاحتلال.
وكتب المؤرخ الروماني ساللوست مؤلفاً كاملاً بعنوان حرب يوغرطة صور فيه ذكاء هذا القائد وقدرته على تحدي روما. وحتى اليوم، يستعاد اسمه في الذاكرة الشعبية والتاريخية في الجزائر وتونس والمغرب كرمز للفخر والانتماء.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور عبد القادر بوشمال، أستاذ التاريخ القديم بجامعة الجزائر، إن يوغرطة لم يكن مجرد ملك محلي يقاتل من أجل العرش بل كان شخصية تاريخية شكلت أول نموذج للمقاومة المنظمة ضد روما في شمال إفريقيا. لقد كشف للرومان أن إخضاع المنطقة لن يكون سهلاً، وأن شعوبها قادرة على التمرد والمقاومة رغم قسوة الظروف.



