المزيدكتابنا

التاريخ العربى وأسطورة العبّاسة.. هارون الرشيد والبرامكة «قراءة مشاهداتية»

بقلم: حاتم عبدالهادى السيد
يحيلنا الشاعر محمود حسن، منذ الوهلة الأولى في ديوانه: «العبّاسة» إلى التاريخ، إلى عصور الخلافة العربية في العصر العباسي، حيث هارون الرشيد: الدولة، الحكم، تنازع السلطات، الصراع الطبقي، العنصرية، وتغليب ما هو عربي على ما دونه، نكبة البرامكة، صراع الطوائف حول السلطة، ولعُمْر، ما أشبه الليلة بالبارحة، وكأنه يستدعي التاريخ ليحيلنا إلى واقعنا العربي – الآن – والممتد من المحيط إلى الخليج.

العبّاسة ديوان الإنسانية:

لقد أهدى ديوانه: «إلى الإنسانية»، وهى عبارة – وان كانت مقتضبة – إلا أنها دالة ومعبرة، فالإنسانية ليست كلمة كالكلمات، لكنها واقع مُعاش، حيوات في عمر المكان والسكان، تاريخ شعوب وحضارات وممالك، بدأ الخلق والتكوين: آدم وحواء، وصراع البشر على كوكب الأرض، رحلة القتل والظلم الإنساني، بسبب الطمع والجشع والاستحواذ على السلطة، المال والجاه والسلطان، صراع الأيديولوجيات والأمم والشعوب، القيم بمعانيها وزخمها، الإنسان وتاريخه منذ بدء الخليقة، رحلة الظلم والرهبوت مقابل العدل والحرية، الشعوب والحكام، المدن والقرى، المذاهب والعرقيات، الحب والكراهية، الاستعمار والسلام، التناقضات بكامل هيئاتها، حيث الملك والحاشية صراع ممتد على كل العصور، يقول (المُلكُ لهُ مَهرٌ فادحْ، لا يقبلُ إلا دَمنا، لا يرفَعُهُ إلّا قوسٌ وقَناةٌ، من منَّا يحملُ وِزْرَ أخيهِ ومن أجرى دَمَهُ؟ ووليُّ الدَّمِ فينا .. من ؟، من يملكُ ثَأَر أخيهِ ومنْ يَتَسامَحْ ؟ هلْ أَفسَدْتُكَ حينَ تركْتُكَ في مَمْلكَتي جباراً، فوقَ الدُّستورِ وفوقَ الأمَّةْ، أمَّنْتُكَ مُلْكِي يا هذا المُهْرُ الجَّامحْ، لا خاسرَ أو رابِحْ، رأْسُكَ هذا يا جعفرُ رأسي وقَطَعْتُهْ، لا يتساوى رأسُكُ هذا برؤوسِ كُثْرٍ يا مذبوحاً ذابِحْ، أبكيك … ؟ نعمْ.. والله ……. نعمْ، أسْفِكُ دمْعِي قِرباً دَمويِّةْ، وأكونَ القاتلِ والنَّائحْ، لكن لا أملِكُ أنْ أعفو، لا يمكنُ يا جعفرُ أن يغفرِ عرشي أو أنْ يَتَصالحْ). (الديوان ص:102-104).

إننا أمام شاعر لا يستدعي الأسطورة ويستلهمها، لكنه يصنع لنا «الأسطورة العربية»، فقد جعل من «العبّاسة» – أخت هارون الرشيد  وزواجها من يحيى البرمكى – زواج العين – دالاً رامزاً لتاريخ الظلم الإنسانى المقيت، للصراع الطبقي بين بني البشر، للأفضليات والمفضليّات، والتعالي من قبل الطغمة الحاكمة تجاه الشعوب الفقيرة البائسة، لصورة الحكم في عصر وصف – تاريخياً – وما أبشع التاريخ، بأنه عصر التنوير، الرقي والتمدين، القصور والقيان، الغلمان والخصيان، المقصلة والمذبوح، الصراع على السلطة وكرسي الحكم، الخلافة بإسم الدين لإسكات الشعوب “العامة” مقابل الخاصة والأمراء والسلاطين، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحاكم وحاشيته، حتى السلطة الدينية أصبحت في معية الحكم، تصفق باسم الحاكم بأمر الله، والناهى باسم الدين، الخليفة الرمز، والسلطان الإمام، فماذا يرتجى من عصر تأله الحاكم فيه، وأصبح الخروج على طاعته ضرباً من الكفر وحكمه جز الرقبة، والصلب، وتقطيع الأيدى والأرجل من خلاف، السجن، التعذيب، الرهبوت العظيم.

زواج «العباسة» أخت هارون الرشيد على البركمي

يقول: (لو أنِّي أعلم أنَّ السيفَ إلى عُنُقِي، ونِكَاحَ العينين العاشقتين يرسِّخ، في دولتهِ كَذِبَه، أن رجولةَ جعفرَ يا أمَّهْ، إِنْ مسَّتْ جسد العباسة في حلٍّ، يَتَكسَّرُ عَظْمُ الرَّقَبَةْ، كنت كفرتُ بهارونَ رضيعا وخليفة، و قطعت ثُدِيَّكِ سمَّمْتُ رغيفه، كنتُ عقرتُ حِصَانَهْ، وحرقتُ العَرَبةْ كَسَّرتُ ذراعيهِ، عَبْدتُ الإثمَ، ومرتكبَه، كنتُ رسمتُ براحاً ومساحاتٍ، للخيلِ المصنوعة من ثأر يتخلٌقُ في الغيبِ القادِمْ، وصرفتُ الموج بعيدا عن باب، المندبِ عِنْدَ وما أدراكَ وتفسير، العقبة، كنتُ جعلت التاريخ الآثم لُعْبَتَنا، استعبدتُ الغالبَ والغلَبةْ). (الديوان ص:6-8).

فأي عذاب لزوج يتزوج امرأته «زواج العين» ، فلا يستطيع أن يقربها إلا بأمر الحاكم وإلا قطعت رقبته، فقد زوج هارون الرشيد أخته العبّاسة لوزيره وساعده في الحكم «جعفر البرمكي»، ولأنه ليس عربياً، مع كونه مسلماً، فقد ابتدع زواج العين ليعذبه لما عرف بحبهما، ولكن إرادة المولى كانت فوق سطوة ظلم هارون، فقد رفض جعفر هذ الظلم وانتصر للحب، وطعم زوجته فحملت من ليلتها، فما كان من هارون الرشيد وغطرسته إلا أن أمر بقطع رقبته، جزّا بسكين العار الإنساني دفاعاً عن هيبة الحاكم وكلمته، وكان يمكن له أن يعفو عنه، لكن غطرسة الحكم وجبروته وسطوته، وتعاليه قد جعلته يأنف في أمر تكسير أوامره، ولم تشفع له خدمات جعفر والبرامكة في خدمة الدولة، ومع إن هارون الرشيد كان رجل عدل وخير، إلا أن البرامكة قد عاثوا فساداً في الدولة والحكم، وعدم احترام الحاكم، وكانت «زبيدة» زوجته تكرههم، فأوعزت إليه للتخلص منهم على كراهة منه، لأنه كان يرفض رؤية منظر الدماء، فقد شهد عصره نهضة ثقافية وحضارية، وأقام ميزان العدل بين الناس، لكن البرامكة كانوا يتحينون الفرصة لقلب نظام الحكم، فكان لهم بالمرصاد، أي أن الكل مدان هنا، وليس هارون فحسب، فقد كان رجل عدل وحكيم عصره، وكان يتهجد بالليل، ويخشى الخالق كذلك.

ديوان العباسة يحكي عدل هارون وينتقض حاشيته

يقول:
(للحكمِ أماراتٌ وبِشاراتٌ شَتَّى.. منْ بَيْتِ المُلْكِ العَبَّاسيِّ.. ومن فوقِ الخَيْلِ وبينَ غُبارِ سنابِكها.. ينْطِقُ هذا المشهَدُ أنَّكَ يا هارونُ فَتىً.. سادَ القومَ الشِّيبَ وأنتَ الأمْرَدُ والمُنْضَبِطُ.. أشهدُ أنَّ فِراشي لمْ يتَدفَّأْ يوماً عندَ شتاءِ الدَّولةِ إلَّا؛ بعد تَهَجُّدِ ليلٍ مائةً حتَّى يَتَبَيَّنَ عندَ الفجرِ الخيْطُ.. أشهدُ أن شِمالكَ لم تعلمْ يوما ما أنفقت اليُمنى.. تشهد كل أراملِ قريتنا.. وقواعِدُها.. ويتيمُ الأمِّ الثَّكْلى والثَّكلى.. أنَّك يا هارونُ المَلِكُ القِسْطُ.. لكن يعبثُ في تاريخِ الأمَّةِ من يعبثْ.. يَنْدَسُّ الحِبْرُ الأسْوَدُ في القرطاسِ الأبيضِ والتاريخُ الأسودُ في التاريخِ الأبيضْ.. وتُباعُ الذِّمَّةُ والتوقيعُ يُزَوَّرُ والخَطُّ.. بغدادُ يُباعُ التاريخ بها سوماريا آَكاديَّاً عبَّاسيّاً.. وحضارةُ بابلَ والآشوريَّةْ.. و الماء بِدِجْلةَ و النِّفطُ.. ويهجَّن عرق عربيُّ والسِّبْطُ.. لابد وأن يلعبَ فأر التاريخِ إذا غاب القِطُّ). (الديوان ص:37-39).

ولنا أن نلحظ أن الشاعر محمود حسن- هنا – يرفو قماشة اللغة ليصنع ثوب الشعرية المورفولوجى، عبر فونيمات الحروف التى تصنع جرساً للشجن يخشّ إلى ضفاف الروح، فاللغة لديه نهر ينساب، هارموني ينتضم عقد الصور الجمالية الباذخة المنسابة من فقه الجمال السّياقى، حيث اللغة المائزة، فنراه يتقصّد الشعريّة العربية ليعيد اقتصاديات اللغة المائزة عبر التراكم، والتقارن، والانزياحات التي تشكّل السياقات النصيّة الباذخة، فاللغة لديه شاهقة، لا تجد ترهلاً، ولا كلمة ليست في موضعها، بل أننا لوحذفنا حرفاً من الديوان لاختل البناء، بما يشي بأحكام الشاعرية من جهة، وحرصه على التأنق وكأنه يمكيج اللغة بطلاء روحه، ويضفي عليها غلالة من نور، يدخل إلى الروح فيرويها من نهر الجمال، كما أنه لا يستخدم لغة دارجة، أو الغازية، بل لغة بسيطة دافقة، وعبر التكثيف والتقصيد والتراكم، تجىء المعانى محمّلة بزخم جمالى وتاريخى وسياسي وإحالي، كما لا يستخدم التضمين في استدعاءاته، فقد استدعى شخصية الشاعر «أبو العتاهية» ليحدثنا عن دور الشاعر والمثقف الذي يقول كلمة الحق، فقط ربما لكونه أعمى، بينما الآخرين صمتوا، أو ركنوا إلى بلاط القصر ومداهنة الملك، لذا فإن أبو العتاهية هو شاهد التاريخ، المثقف الذي يكتب صفحاته دون مواربة، أو على الأقل بينه وبين ذاته والمقربين يصدح بالحق.

ديوان العباسة: أبو العتاهية ينصح هارون الرشيد

وقد يخشى كثيرون بطش الحاكم لكننا رأينا أبو العتاهية ينصح هارون، فيقول: إن نزلَ العَامَّةُ للشارعِ يا ولدي، سَتُباحُ حدُودُكَ قسراً، وتَميلُ المِئدنةُ الكبري، ويُدَكُّ المِنْبَرْ، وتري من نافقَ عرشكَ يُصْدر مانشيتَ صحيفتِهِ بالخطِّ المُتَضَخِّمِ والأحمرْ، سقطَ الطَّاغيةُ الأكبرْ، وَتُطِلُّ لِحىً كاذبةٌ مُنْتِنَةٌ، وحديثٌ موضوعٌ والتأويل المُتَأَخِّرْ، وجماعاتٌ تقفزُ للمشْهدِ حتَّى لكأَّنَ الأمَّةَ لُعْبَتُهمْ ويسافرُ في قلبِ الأمَّةِ خِنْجرْ، بِيَدِي، بِيَدِي أقْتُلُكَ الآنَ وأعلمُ أنَّ زمانا يأتي، تَتَكَسَّرُ فيه الدولةُ والهيبةْ، يَتَخَضَّبُ بابُ الهيكلِ، تبكي الصورةُ والعذراءُ وقلبُ يسوعٍ يَتَفَجَّرْ، ينفرطُ العِقْدُ ويُسْتَلَبُ المَتْجَرْ، ويقوم الولدُ الأمْردُ بين الناس حديثَ الأسنان خطيباً، لِيُسَفِّه رأي النُّعْمَانِ يَرُدَّ القاضي ويُكَفِّرَ شيخَ الأزْهَرْ. (الديوان ص: 64-66).

ولعلنا لن نندهش إذا علمنا أن عزيز أباظة قد كتب مسرحية عن “العبّاسة”، كما كتب “جرجى زيدان” رواية عنها، إلا أن محمود حسن -كما أرى- قد فاق هذين الرمزين الكبيرين في كتابة واستلهام تاريخنا العربي، فأباظة كتب مسرحيته شعراً عمودياً موغلاً في الغموض، وكان ناظماً أكثر من كونه يستخدم الدراما المسرحية، كما اختلق جرجى زيدان من مخيلته الكثير، وأضاف إلى التاريخ ماليس فيه، وهو وإن جاز في السّياق الفني، إلا أننا أمام استلهامات التاريخ لابد ألا نحرّف فيه، ولاتشطح خيالاتنا لتصورات قد تحدث فجوة في السرد التاريخي، وأرى أن محمود حسن عبدالتواب قد استطاع أن يهدهد المعاني، ويروّض المباني، ويطوّع الصورة ليصنع معمارية قصره الشعرى المهيب، ليضاهي قصر العباسة وهارون في أزهى العصور العربية آنذاك، فاتسقت اللغة وتمحورت عنده، وتمكيجت، وتزيّنت، لتضفي على الصورة الشعرية جمالية أكثر وضوحاً وشفافية، وتأصيلاً وترسيخاً للتراث العربى بتاريخانيته الحقيقية، فالكل مدان هنا، ولم ينتصر شاعرنا لهارون كونه عربياً، ولا لجعفر كذلك لكونه غير عربي،  وفى ذكاء منه رأيناه قد ربط الماضي بالحاضر، ليطلعنا إلى قضايانا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الآنيّة، وكأنه يسقط الماضي على وجه الحاضر، ليرينا أين نقف نحن الآن من التاريخ عبر زمكانيته الممتدة.

ديوان العباسة يحيلنا إلى الواقع العربي

يقول:
(أتَأَمَّلُ هذا الوجهَ الأنْثَى؛ فَيُحَدِّثُنِي المَرْمَرُ والنَّهْدانِ، واللهِ لقدْ كُنْتُ نَسيتُ أنوثةَ عصماءٍ، يا باعثَ عصماءٍ من جُبِّ النِّسْيانِ، أشهدُ أنْ ما ارْتَفَعَتْ من هارونٍ في وجهِي يَدُهُ، يَشْهَدُ ذِمِّيٌّ ما هَدَّتْ دولةُ هارونٍ مَعْبَدَهُ، بئْرٌ عُثُمانِيُّ السُّقْيا وطريقٌ عَبَّدُهُ، وأُرَدِّدُ ما قالَتهُ زُبَيْدةَ إنَّ جناحي مَسْجِدُهُ، ما جِئْتُ الآنَ لِأَكْشِفَ تاريخاً كَذَّاباً، أو أفْضَحَ سَيِّدَهُ، جِئْتُ وفي جَنْبَيَّ السِّكِّينُ المَلَكِيْ، ما إنْ علموا أن جَنيناً في أحشائي، حتَّى انطلقَ الغَضَبُ الحَاقدُ والدَّمَوِيْ، كسَروا الفَّخار على رأْسي، ذَبَحوا أشيائي بينَ يَدَيْ، نحنُ الإخوةُ والأصهارُ وأصحابُ الدِّينِ الواحدِ والحرفِ الأَزَلِيْ، لكنْ إنْ ظهرتْ ثَمَّةَ أطماعٌ في الكُرْسِيْ، يَشْنُقْنا الشيخُ المُفتي، والجِنِرالُ القائدُ، والشعبُ المُتَسَلْسِلُ في الميدانِ الكَاذِبِ، والعِرْقُ النَّافر، والدُّولارُ العَرَبِيْ). (الديوان ص:53-55).
أنه يسقط ما يحدث الآن في الأمة العربية على التاريخ، ويحيلنا والواقع إلى هناك، لينتضم عقد التاريخ المظلم السرىّ، لذا لا غرو أن يصدح في قوة.

ويقول:

(هذا زمنُ الغولِ وتاريخِ العنقاءْ، والدُّستورِ العاجز والقاضي المَفزوعِ ومحكمةٍ عرجاءْ. (الديوان ص: 91).

ولعله يحاول كشف المسكوت عنه، أو ما يسمى بفقه العامة، وتعمية الشعوب على مر العصور، يقول: (في كل زمان عرب بائدةٌ، عربٌ مُستعربةٌ عربٌ عاربة، رومٌ فرسٌ وهنودٌ حمرٌ و فراعنةٌ، هكسوس وتتارٌ عربٌ ويَماني، أديانٌ شتى ومذاهبُ تعبد أصناما زُلف، والقاتل شيخان. (الديوان ص:13:15).

إنها شيفرات المعادلة الإنسانية الكبرى التي أحالها إلينا محمود حسن في ديوانه التاريخي الأسطوري الشاهق، الذي يؤسس بامتياز لذوق شاعر يعرف التاريخ جيداً، ويستفيد منه لتجديد أواصر ودماء القصيدة العربية المعاصرة، ولعلنا نغمطه حقه إذا أطلقنا على كتابه هذا إسم “ديوان شعر” بل هو كتاب الإنسانية وتاريخها، الذي يسرد جانباً مظلماً في تاريخنا العربي، جانب الظلم الإنساني – المسكوت عنه – تاريخ الثورات العربية الكبرى عبر العصور، فالكل مدان، وهارون لم يكن ظالماً كذلك لكنه التاريخ السري للأمم والحضارات والممالك.

العباسة رواية تاريخية شاعرة

وإذا نظرنا إلى لغة الكتاب المسرحية لقلنا أنها مسرحية شعرية، أو “رواية تاريخية شاعرة”، أو أنها مسرواية شعرية جديدة تستقطبك كقاريء وتأخذك بتلهف حتى النهاية، لترى مصير العبّاسة، جعفر، يحيى، وغيرهما من شخصيات التاريخ التي ظلمت، كما ظلم هارون كذلك، فكم من جرائم أرتكبت بإسم الحكم والكرسي، وبإسم الدين، وبإسم السلطة المطلقة، وهذا ينسحب على كل الممالك وليس العرب والمسلمين، ولنرى تاريخ الكنائس والأديرة: كيف تدار، وكيف يعاقب كل من يخرج على التعاليم، أو يجدد في الخطاب الديني، أو ينادى بالعدل والمساواة والحرية، والثورة!!.

إن شاعرنا هنا يمسرح التاريخ، ويمازج – عبر النوعية- بين الفنون الإبداعية، ويشارك القاريء في خطابه التاريخي، سفره الذي يتوسله، إسقاطاته، ومعادلاته الموضوعية والضمنية، والرمزية لإضفاء واقع سحري للقاريء، وكأنه في جوقة المسرح والجمهور قد اخترق الحاجز الوهمي الرابع ودخل إلى اللعبة، العصر التاريخي ليعيش ويقارن ويتضام ويراكب – على حد تعبير سوزان سونتاج، أو أنه يعيد تأسيسية جديدة للشعرية العربية باستلهام القاريء وإشراكه كجزء من اللعبة التاريخية الشعرية الإحالية الترميزية، ليحيلنا إلى ذواتنا المقهورة، إلى الإنسان في أي زمان ومكان، لينفض الغبار عن ثوب الرهبوت، ويكسر القيود، ويحرر القضبان والسجون، من ظلم الاستبداد والاستعباد، حيث الحرية، وكسر ربقة الظلم وغلالته السميكة، ورفع الغشاوة عن عين العامة لتبصر اليقين، وتنحو إلى النور والحرية، تستعيد كرامتها المهدورة، المهراقة، عبر العصور التاريخية، وحتى واقعنا العربى الآن، يقول: (ما أقبحَ أن يصبِحَ لَـثْمُ القدَمِ الملكيةِ أفيونَ الشَّعبِ المتغَيِّبِ قسراً وحَشِيشَه). (الديوان ص: 31).

وكذلك ما جاء على لسان الجارية “من عامة الشعب، وهى فى شرفات القصر” تقول:

(في القصرِ خمورٌ ونساءٌ عاريةٌ، وفُجورٌ، وغناءْ، وسُجودٌ وقيامٌ وصيامٌ وقِراءةُ قُرْآنٍ وبُكاءْ، في القصرِ العِزَّةُ والذِّلَّةْ، وملابسُ مُتَّسِخاتٌ وأناقَةُ حُلَّةْ، في القصر شياطينٌ رُسلٌ وملائكةُ خُبثَاء، لو أنَّكَ يا هارونُ ابنَ المهْدِيْ، لم تَفْتِنَ عقلكَ جاريةٌ من كِسْرى، ولَدَيْكَ زُبيدَةْ، ما سالتْ في القصرِ دماءْ، لو أنَّكَ يا جعفرُ لم تَفْتِنكَ امرأةٌ من ساداتٍ عربِيَّةْ، لو أنَّ العبَّاسةَ ظَلَّت عذراءْ، ما انهدَّ السدَّ، ولا كَفَرَتَ بِلْقِيسُ، ولا ذُبِحَتْ صنعاءْ. ( الديوان ص:44-45).

وما بين شخصيات الرواية المسرحية الديوان كتاب التاريخ الشعري، الكتاب السياسي، الإجتماعي، التاريخي القديم المعاصر، نستطيع أن نطلق عليها ما نشاء، تتعدد الشخوص، الأحداث، الحكايات والمتوالية السردية القصصية الشاعرة، فنرى تداخل الأزمنة والعصور عبر دلالات المرويات التاريخية على لسان أبطال الرواية الشاعرة، القصة التاريخية بامتياز التي تستدعيها شخصيات الرواية الشعرية، ولنلحظ أسلوبية اللغة عبر المشهدية التراجيدية التي يستدعيها، عبرالشخصيات: هارون الرشيد، العباسة، جعفر، يحيى، زبيدة، الجارية برّة، عصماء، الخيزران، أبو اسحاق “الشاعر أبوالعتاهية”،الوزير يعقوب، الجنود، الحراس، الدهماء “عامة الشعب”، نستطيع أن نقرر بأننا أمام منظومة حياتية ممتدة، فهارون الحاكم، الرئيس، الملك، السلطان، الخليفة، تتجدد مسمياته بتجدد العصور، والعباسة هي الرمز للجريحة، المغدورة، المعذبة، الشعب، وحاشية كل العصور، والسلطات بمختلف أنواعها، لتختلط الأزمنة بالأمكنة، عبر أسطرة التاريخ، ولا حتميته كذلك، ولكنها صور مستنسخة للإنسان – شريحة المستبّد –، الشعوب ومعاناتها، الصراع من أجل البقاء وحكم الرقاب، الاستبداد والاستعباد العربي، العالمي الكوني، الأممي، صراع الحضارات، الاستعمار والهيمنة، القطبية، الكوكبية، التمدد والغزو، المحو بإسم تغليب المذهب والعقيدة والجنس واللون والشكل، وغير ذلك مما تستدعيه أسطورة العبّاسة، المرأة المغدورة المطعونة في أبسط حقوقها الزوجية والحياتية والمجتمعية، والشعب البائس الذي يعيش في غلالة الدولة والعقد الشرعى.

يقول:

من يعبثُ في البَيْعَةِ يعبثُ في الجِلبابِ السَّاتِرِ يفضحُ عوراتٍ مُخْتَبِئةْ، ويثورُ الشعبُ المَيِّتُ من مائتَيْ عامٍ، والجُنْدُ المتَخاذِلُ والدَّبَّاباتُ الصَّدِئَةْ. ( الديوان ص:60) .

ويضفى لنا محمود حسن مفهومه، أو مفهوم جعفر عن الدولة، علاقة الحاكم بالمحكوم، الشورى ونظام الحكم العادل.

يقول في الخاتمة:

(الدولةُ تعني الشُّورى، ونظامُ الفردِ دخيلٌ جائرْ، الدولةُ أن تتساوى أنصبةُ الناس جميعاً، حتّى في الكُرْسِيِّ .. وفي دورٍ ومقابرْونظامُ الدَّولةِ عندكَ توريثٌ مَلَكِيْ، الدولةُ سلطاتٌ إن تَتَغَوَّلْ إحداها فوق الأخرى تفسدْ، الدولةُ ليست فردا والحاكمُ ليسَ إلهً، وأمورُ الدولةِ ليست في الدَّيْرِ ولا في المسجدْ، الدولةُ لا شيءَ سوى الدولةْ، الدَّولةُ سَيِّدْ، عقدُ، مشاركةٍ وَقَّعَهُ أطرافُهْ، لا غَبْنٌ فيهِ ولا سُلُطاتٌ أزليَّةْ، أو تفويضٌ مفتوحٌ و تَمَرُّدْ، الحاكم يدفع مُتَّهما للسيَّافِ بغيرِ محاكمةٍ ودليلْ، أما الدولةُ تدفعهُ للقاضي ليقامَ الميزانُ وينهزمَ التَّأويل، الدولة قاضٍ وقضاءٌ وحقوقٌ، وضمير القاضي يا هارونُ ضَمانةُ شَعْبِكْ، بل وضمانةُ عرشِكْ، فَتَدَبَّرْ أمْرَكْ). (الديوان ص :109-114).

ثم تجيء خاتمة الكتاب فنراه يسقط ذلك كله على واقعنا الآن، وكأنه يخاطب الحاكم، الرئيس السلطان، فنراه يقول – على مضض – على لسان جعفر: (ما خُنتُكَ يا صِنْوَ رضاعي وصبايَ، ما أخلفتُ العهدَ ولا بِعْتُكَ يا مولايَ، لكنْ حينَ يضيعُ الحقُّ الإنسانيْ، ومذاهبُ شعبِكَ تُكْتَبُ في الرَّقمِ القوميْ، تمتازُ جماعةْ، تَنْداحُ جماعةْ، فَتُشَقُّ الدَّولةُ جُزْأينِ وأجزاءً صُغرى، يَقْتَتِل السُنّيّ مع الشِّيعيْ، والعربيُّ مع العربيْ، كسرى يذبحُ قيصرَ .. قيصرُ يأكلُ قلبَ نجاشيْ، يا عَبَّاسةُ هل تبكينَ الآنَ عليَّ دَما، يا أطهرَ ما في هذه الأرضِ الحبلى بالشَّرِّ الأعمى. (الديوان 117:116).

ثم ياتى صوت تأنيب الضمير ، صوت المظلوم / الظالم، المغدور/م الغادر ،صوت جعفر ، صوتنا، الضمير الانسانى ، يقول :(حاول أن تغفوَ يا هارونُ قليلاً..لا..لا.. لا/ لن تغفُوَ بعدَ الآنْ/فأنا حولكَ في كلِّ زمانٍ ومكانْ/مقطوعٌ رأسي في حجْرِكْ/ودمائي تَتَدَفَّقُ في دِجلةَ والنيلِ وكَفْرِ حَرَسْتا/في بابلَ والبصرةِ والهِرْسِكْ/في مدخلِ بغدادَ على بابِ التَّاريخِ الدَّمَوِيْ/حتَّي إن مرَّ قراصِنَةٌ وجيوشٌ/مدفوعٌ قيمتها سَلفا/سيقولُ التاريخُ بأعلى صوْتِه/هذا المصلوبُ نَبِيْ).الديوان ص:122:120).

ولعلنا ندهش حين يذيل آخر الديوان بعبارة: (معظم ما كتبه الشاعر هنا أملاه عليه جعفر في رؤيا طويلة استيقظ بعدها وكتب). ولعلها إشارة للآخر المتربص بالشاعر، فهي رؤيا أملاها جعفر عليه في الحلم، ليظل تاريخنا مغلف بغشاوة، ولتظل الكلمة مخنوقة، خائفة من السوط والسجان.

وفي النهاية:

أننا أمام العبّاسة وحسب، سفر يتوضأ بالوجع الزاعق في بريّة السكون والعتمة بحثاً عن بصيص ضوء يأتي من نهاية نفق خانق، يأخذ بالرؤوس والعناق، يلوي عنق الحقيقة، يعارك الحرية في بذخها وهيبتها، يطعن الآخر في صمت، شهادة حق على ذوات مقهورة، رمز في جبين العالم النازع نحو الحرية والعدل الإنساني البعيد، يجيء ويذهب، ولكنه يستشرف الحلم بثورة الذات، الشعوب، استيقاظ المارد العربي من جديد، عودة الفلاح للأرض، الفأس، لا يلوث نهراً، ولا يسطو على جارة منزله، ولا ينتهك حرمة الآخر، حقه في الحياة في أمان وسلام.

إن العبّاسة هي ذواتنا المقهورة عبر التاريخ، الزمان والمكان، عبر مهج أرواحنا التي تعشق الحرية وتريد أن تتنفس هواء الحقيقة، تقابل اليقين وتسمو به لعليين، تصفو بالذات والمجتمعات ليعود للأرض السلام، ويضيء الزيتون على شجرة الحقيقة، وتغني حمامات الحب بالسلام المنشود للكون والعالم والحياة.

ترقد العباسة الآن سعيدة، تتلقى مولودها الجديد، حلمها الأسمى، لتضمد وجعها الأشهى بفراق جعفر، لتستقبل هارون البرمكي، الآخر المحب، الزاعق في برية العتمة بالضوء السيموطيقي المتلألأ الجميل.

ديوان العباسة
الشاعر محمود حسن
الشاعر محمود حسن عبد التواب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى