حوارات و تقارير

حركة الترجمة إلى العربية.. نهضة فكرية قادت الحضارة الإسلامية

اشغل العرب بعد فتح الشرق الأدنى في القضايا السياسية والعسكرية لمدة تقارب قرنين، مما جعل الأمويين يتركون الإدارة على حالها، حيث استمر استخدام الدواوين وكتابها ممن خدموا البيزنطيين، لكن مع تولي الخليفة عبد الملك بن مروان، بدأت مرحلة جديدة من الإصلاحات الإدارية، كان أبرزها تعريب الدواوين واعتماد العربية كلغة رسمية للسجلات الحكومية، بدلاً من الفارسية واليونانية، وهو تحول أسهم في ترسيخ الهوية العربية وتعزيز الإدارة بكوادر أكثر انتماءً للدولة الإسلامية.

تاريخ الترجمة إلى العربية

 شهدت نهايات القرن السابع بداية حركة نقل المعارف إلى العربية، فكانت أولى الترجمات تركز على المؤلفات العلمية والطبية القديمة، مثل كتب الطب والكيمياء والتنجيم، ويعزى الفضل في انطلاقة هذه الحركة إلى خالد بن يزيد، الذي بعد فقدانه لحقه في الخلافة، اتجه لدراسة الكيمياء وشجع ترجمة الكتب العلمية، كما ينسب إلى الطبيب ماسرجويه نقل أول كتاب طبي إلى العربية، وهو كتاب الكناش، الذي ألفه الطبيب المسيحي الإسكندري أهرون خلال عهد مروان بن الحكم، وكان مكتوبًا بالسريانية.

كما تسارعت حركة الترجمة بشكل ملحوظ مع توسع الدولة العباسية، وكان من أوائل المترجمين البارزين عبد الله بن المقفع، الذي نقل إلى العربية كتاب كليلة ودمنة، كما ترجم العديد من الكتب الفارسية حول تاريخ ملوك الفرس وسيرة أنو شروان، ويُقال إنه أو ابنه محمد، قام بترجمة كتب أرسطو، مثل المقولات والبرهان.

وبلغت الترجمة ذروتها في عهد الخليفة العباسي المنصور، الذي كان شغوفًا بالفلسفة والفلك، فاستقطب العلماء والمترجمين، وكان من بينهم أسرة بختيشوع في الطب، وأسرة النوبختي في التنجيم، وترجمت في عهده كتب علمية كبرى، مثل المجسطي لبطليموس وأصول الهندسة لإقليدس، غير أن قلة المترجمين شكلت تحديًا أمام توسع هذه الحركة، مما جعلها تنتظر انطلاقتها الكبرى مع الخليفة المأمون، الذي أرسل وفودًا إلى بلاد الروم لجلب أمهات الكتب اليونانية، وأسهم في تأسيس “بيت الحكمة” في بغداد، ليكون مركزًا للترجمة والبحث العلمي.

كما ازدادت رعاية الترجمة في عهد هارون الرشيد، وكان ابن ماسويه أحد أبرز المترجمين، حيث تولى نقل العديد من الكتب الطبية وأصبح لاحقًا رئيسًا لبيت الحكمة، كما شهدت تلك الفترة ترجمة كتاب سيدهنتا الهندي الشهير في النجوم، إلى جانب شروحات عربية لكتاب بطليموس الأربعة في الفلك، ومع ازدياد الاهتمام بالفلسفة، برز اسم يحيى بن البطريق، الذي نقل إلى العربية كتاب طيماوس لأفلاطون، بالإضافة إلى كتب أرسطو حول النفس والحيوان والقياس.

اقتناء وترجمة الكتب

تدريجيًا، لم يعد دعم الترجمة مقتصرًا على الخلفاء، بل شارك فيه وجهاء وأثرياء، مثل بني موسى، الذين أنفقوا أموالهم على اقتناء وترجمة الكتب، وكان محمد بن موسى منهم من أبرز الداعمين، حيث ألف رسائل علمية وفلسفية، وساهم في تطوير الفلسفة العربية

كما يعد المأمون من أعظم رعاة الترجمة في تاريخ الإسلام، إذ لم يكتفِ بجلب الكتب، بل أشرف بنفسه على المجالس العلمية التي ناقشت الفلسفة والمسائل الكلامية، وألف رسائل عديدة حول التوحيد والإسلام، كما أرسل بعثات علمية لجمع أمهات الكتب ونقلها إلى العربية، وكان من أبرز العلماء في عهده حنين بن إسحاق، الذي أحدث ثورة في الترجمة، حيث أعاد مراجعة النصوص المترجمة وقارنها بالأصول، ما رفع من مستوى الدقة في النقل، وكان يعاونه فريق من المترجمين المهرة، من بينهم ابنه إسحاق وابن أخته حبيش وتلميذه عيسى بن يحيى.

وترك حنين بن إسحاق بصمة هائلة في نقل المعارف، إذ ترجم أغلب مؤلفات جالينوس وأبقراط، إلى جانب تأليف كتب علمية، مثل أحكام الإعراب وفق مذاهب اليونانيين، وكتاب المد والجزر، وكتاب الألوان، ولم يكن وحده في هذا المجال، بل برزت أسماء أخرى مثل ابن ناعمة الحمصي، وأبو بشر متى، وأبو عثمان الدمشقي، والحسن بن سوار المعروف بابن الخمار، وثابت بن قرة الحراني.

ومن بين هؤلاء، كان قسطا بن لوقا من أكثر المترجمين شهرة وكفاءة، فقد ولد في بعلبك وتميز بإتقانه اللغات، إلى جانب مهارته في الترجمة، ومن أبرز أعماله نقل مقالات أرسطو في الطبيعة، وتأليف كتب حول المنطق والفلسفة والتاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى