لواء دكتور راضي عبدالمعطي يكتب: الحكمة والقوة في زمن الفتن
يمر الإنسان في مسيرته بمحطات تختلط فيها الحقائق، وتضطرب فيها الموازين، ويعلو فيها صوت الفتن على صوت الحكمة. وفي مثل هذه الأزمنة، لا يكون الثبات ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية تحفظ للإنسان إنسانيته وتصون مبادئه من الذوبان. فزمن الفتن هو الزمن الذي تختبر فيه القلوب قبل العقول، وتوزن فيه النفوس لا الأقوال.
الفتن دائمًا لا تأتي في صورة واضحة، بل كثيرًا ما تتسلل في ثوب الحق، وتختبيء خلف شعارات براقة، فتربك البصيرة وتضعف اليقين. وهنا تتجلى قيمة الحكمة والثبات، بوصفة قدرة على التمييز وصبرًا على وضوح الطريق، وتمسكًا بالمبادئ رغم كثرة المغريات وضغوط الواقع.
فالحكمة والثبات ليسا عنادًا، بل وعي ناضج يدرك أن التنازل عن القيم بداية فقدان الذات. في زمن الفتن، يتعرض الإنسان لضغوط متعددة: ضغوط الرأي العام، وكثرة المنافقين، والمتلونين، والخوف من العزلة، والرغبة في السلامة غير أن الثبات الحقيقي يتجلى حين يختار الإنسان الصواب ولو كان طريقه موحشًا. ويتمسك بالحق لو خذله الكثيرون، فالثابت لا يقيس مواقفه بكثرة المؤيدين، بل بصدق القناعة ونقاء النية.
الثبات في مثل هذه الأزمنة لا يعني الجمود أو الانغلاق، بل يعني وضوح المرجعية والقدرة على مراجعة النفس دون التفريط في الثوابت. فالمرن في الوسائل، الثابت في المبادئ، هو الأقدر على النجاة من التقلبات زالمتوازن وسط الاضطراب.
أما من يساوم على قيمه بحجة التكيف، فإنه يفقد بوصلته تدريجيًا، حتى لا يعود يميز بين الصواب والخطأ، كما أن الثبات يحتاج إلى صبر طويل وقوة وحكمة، لأن الفتن لا تزول سريعًا، ولأن نتائج التمسك بالمبادئ قد لا تظهر في الحال. غير أن الأثر الحقيقي للثبات والحكمة يتراكم مع الزمن، ويترك بصمة في النفس قبل الواقع، فمن ثبت على الحق، وإن بدا خاسرًا في الظاهر، فقد انتصر في الداخل، وحفظ كرامته وسلامه النفسي.
.
ولا يتحقق الثبات إلا ببناء داخلي متين، يقوم على وعي صادق وقيـم راسخة، وإيمان بأن العاقبة للحق مهما طال الطريق، فالقلب المتصل بمبادئه لا تهزه العواصف، والنفس التي تعرف غايتها لا تغريها الطرق الملتوية. وحين يستمد الإنسان قوته من داخله، يصبح الثبات عنده أسلوب حياة، لا موقفًا عابرًا. يظل الثبات في زمن الفتن أعظم أشكال المقاومة الهادئة، وأرقى صور الانتصار الداخلي. فمن ثبت على قيمه حين اضطربت الموازين، فقد حفظ نفسه من التشتت وترك أثرا صامتا لا ينسى.
فالعواصف تمضي، والضجيج يخفت، ويبقى الثابت شاهذا على أن الحق، وإن طال انتظاره، لا يسقط الثبات والقوة والحكمة في زمن الفتن ليس موقفا عابرا يتخذ في لحظة، ولا شعارا يرفع عند الحاجة، بل هو مسار داخلي طويل يبدأ من وعى صادق، ويترسخ بقيم ثابتة، ويقوى بصبر لا يتزعزع.
فزمن الفتن لا يُقاس بحدة الأحداث، وإنما بقدرة الإنسان على الحفاظ على ذاته وسط هذا الاضطراب، وألا يسمح للفوضى الخارجية أن تسرق اتزانه الداخلي. إن الثبات في مثل هذه الأزمنة هو أن يظل الإنسان وفيا لما يؤمن به حتى حين تنغير الوجوه وتتبدل المواقف، وحين يصبح التنازل أسهل من الصمود وهو أن يختار الحق وإن بدا طريقه طويلا، وأن يتمسك بالقيـم وإن خالفه الكثيرون، مدركا أن الخسارة الحقيقية ليست في فقدان المكاسب، بل في فقدان المبادئ فالعواصف لا تكشف قوة الأشياء، بل صدق جذورها، وكذلك الفتن لا تسقط الإنسان إلا إذا كان ما يحمله في داخله هشا.
وختامًا، يبقـى الثبات والحكمة في زمن الفتن عنوانا للنجاة، ودليلاً على رقى الإنسان وصدق انتمائه لقيمه. فهو ليس مجرد موقف مؤقت، بل اختیار دائم بأن يكون المرء وفيا لما يؤمن به مهما تبدلت الظروف وتغيرت الوجوه. فالثبات هو أن تبقـى كما أنت، حين يحاول العالم كله أن يغيرك مع الحكمة في مواجهة الواقع وتحدياته.. حفظ الله مصر.. وحمى شعبها العظيم وقائدها الحكيم



