تاريخ ومزارات

تعرف على أطول المباني في العالم.. من العصور القديمة إلى اليوم

أميرة جادو

لطالما اندفع الإنسان، بدافع الإيمان أحيانًا وبحثًا عن التفاخر أحيانًا أخرى، إلى تشييد صروح معمارية هائلة تعكس طموحه في تجاوز المألوف، ومن رحم هذه الرغبات ولدت مباني شاهقة، منذ عصور الحضارات القديمة وحتى العمارة الحديثة، صروح كسرت حدود الخيال ولامست السماء، لتجسد أقصى ما وصل إليه الإبداع البشري.

ورغم السعي المستمر للبنّائين عبر العصور إلى رفع سقف التحدي وبناء منشآت أكثر جرأة وعلوًا، فإن عددًا محدودًا فقط من المباني تمكن من الاحتفاظ بلقب أطول مبنى قائم بذاته في التاريخ. وفيما يلي استعراض لأطول المباني التي عرفها العالم، بدايةً بأشهرها الباقي من الزمن القديم.

هرم الجيزة الأكبر.. 481 قدمًا

اكتمل تشييد هرم الجيزة الأكبر قرابة عام 2530 قبل الميلاد، إذ شيد ليكون مقبرة للفرعون خوفو، ويعتبر أكبر أهرامات مصر المعروفة، التي يتجاوز عددها مئة هرم، وظل هذا الصرح الفريد محتفظًا بلقب أطول بناء صنعه الإنسان لأكثر من 3800 عام.

وينظر إلى الهرم الأكبر بوصفه تحفة هندسية ومعمارية نادرة، تتميز بدقة تناسق جوانبه وتوجيهها نحو الجهات الأصلية الأربع، وقد بلغ ارتفاعه المهيب، المدرج ضمن عجائب الدنيا السبع القديمة، نحو 481 قدمًا، نتيجة جهد مضن تمثل في رص ملايين الكتل الحجرية فوق بعضها البعض.

كما يقول توماس ليزلي، المهندس المعماري وأستاذ العمارة بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، في حديثه لموقع «هيستوري»: «تبدو الأهرامات شديدة الارتفاع، لكن بنيتها في غاية البساطة؛ فالحجر يستطيع تحمل أوزان هائلة عندما يكدس رأسيًا. ومن وجهة نظري، فإن هذا الارتفاع الاستثنائي هو بالأساس إنجاز قائم على حجم الجهد المبذول».

ولا يزال الغموض يحيط بطبيعة القوة العاملة التي اعتمد عليها الفرعون، وبالطرق التي نقلت بها الأحجار التي يزن بعضها طنين إلى مواقعها، إذ تتباين آراء العلماء بين العمل مقابل أجر أو السخرة، إلى جانب الجدل حول استخدام المنحدرات أو أنظمة البكرات، ومع عوامل التعرية عبر الزمن، انخفض ارتفاع الهرم الأكبر حاليًا ليصل إلى نحو 450 قدمًا.

كاتدرائية لينكولن.. 525 قدمًا

تم بناء البرج المركزي لكاتدرائية لينكولن عام 1311 ميلاديًا. وبحلول القرن الثاني عشر، كان بناؤو الكاتدرائيات في أوروبا قد أتقنوا أساليب معمارية متقدمة أصبحت علامة فارقة للطراز القوطي، ما أتاح لدور العبادة بلوغ ارتفاعات غير مسبوقة.

واستندت هذه القفزات المعمارية إلى إرث الرومان، الذين ابتكروا الأقبية المقوسة القادرة على تحمل الأوزان الثقيلة عبر توزيع الحمل على الانحناءات وصولًا إلى الدعامات.

كما يشير ليزلي إلى أن «المعماريين القوطيين أدركوا أن القبو لا يقتصر على الشكل الدائري، بل يمكن أن يأتي أيضًا على هيئة قوس مدبب»، وهو ما فتح الباب أمام تشييد مبانٍ أكثر ارتفاعًا، كما لعبت الدعامات الطائرة دورًا محوريًا في دعم الأسقف العالية المفتوحة، ويصف ليزلي الأبراج المدببة بأنها «ثمرة طبيعية» لهذه التطورات المعمارية.

وكانت كاتدرائية لينكولن، الواقعة في مدينة لينكولن الإنجليزية، أول مبنى يتجاوز ارتفاع هرم الجيزة الأكبر، فقد بدأ بناؤها في أواخر القرن الحادي عشر، وخضعت لسلسلة من أعمال الترميم، قبل أن يضاف البرج المدبب أعلى البرج المركزي عام 1311، ليصل ارتفاعها إلى قرابة 525 قدمًا.

وبعد أن أطاحت عاصفة بقمة الكاتدرائية عام 1548، تداولت ست كاتدرائيات أخرى لقب أطول مبنى في العالم، إلا أن أياً منها لم ينجح في تجاوز ارتفاع كاتدرائية لينكولن.

نصب واشنطن التذكاري.. 555 قدمًا

تم تشييد نصب واشنطن التذكاري عام 1884، وجاء تصميمه على هيئة مسلة تستلهم عظمة الحضارات القديمة، وكان المخطط الأصلي يقضي بأن يبلغ ارتفاع النصب 600 قدم، وأن يُحاط بثلاثين عمودًا إضافيًا، يصل طول كل منها إلى 100 قدم.

ومع انطلاق المشروع بتمويل من القطاع الخاص عام 1848 وفق خطة معدلة، حالت الأزمات المالية واندلاع الحرب الأهلية دون استكمال البناء، ليظل النصب غير مكتمل لأكثر من عقدين.

وعندما استؤنفت الأعمال في سبعينيات القرن التاسع عشر تحت إشراف فيلق المهندسين بالجيش الأمريكي، أدى استخدام نوع جديد من الرخام إلى اختلاف واضح في لون الجزء العلوي عن السفلي من المسلة.

وبرغم هذه التحديات، برز النصب القائم في العاصمة واشنطن كتحية تليق بالرئيس جورج واشنطن، إذ أُضيفت قمة صغيرة من الألومنيوم إلى حجر التاج، ليصل ارتفاعه القياسي إلى 555 قدمًا و5 و1/8 بوصة.

برج إيفل.. 1024 قدماً

اكتمل بناء برج إيفل عام 1889، وقبل افتتاح نصب واشنطن التذكاري، كان القائمون في فرنسا يبحثون عن تصميم فريد ليكون المعلم الأبرز في معرض باريس العالمي عام 1889.

وجاء التصميم الفائز من توقيع جوستاف إيفل، وهو برج من الحديد المطاوع بهيكل شبكي مفتوح يبلغ ارتفاعه 300 متر. ورغم أن الفكرة بدت ثورية في زمانها، فإنها لم تكن بعيدة عن خبرة إيفل العملية، بل جسدت امتدادًا لرؤيته الهندسية التي أعادت تعريف مفاهيم العمارة الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى