تمرد الأشراف ضد سطوة المماليك بقيادة حصن الدين ثعلب

سيطرة المماليك على الحكم في مصر والشام خلال القرن الثالث عشر الميلادي لم تمر مرور الكرام، بل واجهت رفضًا قويًا بلغ ذروته في شكل ثورات صريحة، كان أولها انتفاضة القبائل العربية في مصر سنة 1253 بقيادة الشريف حصن الدين ثعلب.
قصة حصن الدين ثعلب
ينحدر حصن الدين ثعلب من نسب عريق، فهو ابن الأمير نجم الدين علي بن فخر الدين إسماعيل، المتصل نسبه بحصن الدولة مجد العرب ثعلب بن يعقوب بن مسلم بن جعفر بن موسى، ويُعد من الأشراف العلويين وزعيم قبيلة الجعافرة خلال تلك الفترة.
استوطنت القبائل العربية مصر وتحولت من حياة الترحال إلى الاستقرار والعمل في الزراعة، خاصة في مناطق الشرقية والصعيد، وأُطلق عليهم اسم العرب المزارعة، هذا التحول خلق حالة من التوتر والصدام مع السلطة المملوكية، نتيجة تعسف المماليك في تسعير المنتجات الزراعية ومحاولات بعضهم احتكارها، لكن تمرد حصن الدين لم يكن بدافع اقتصادي فقط، بل حمل أيضًا طابعًا سياسيًا واضحًا، إذ سعى لإسقاط حكم المماليك وإعادة السلطة إلى من سماهم العرب الأحرار.
رفع حصن الدين شعاره بوضوح قائلا نحن أصحاب البلاد، ورفض السماح للمماليك بجمع الضرائب، مؤكدًا أن الحكم من حقه ومن حق أنصاره، لم يظل وحده في ساحة الرفض، بل امتد الغضب ليشمل أعدادًا كبيرة من العرب الذين التحموا معه في ثورته.
اتخذ ثعلب من إحدى قرى الفيوم مقرًا لتحركه، وجمع حوله الآلاف من العرب، الذين جاؤوا من مختلف مناطق الصعيد والبحيرة والجيزة والفيوم، حاملين معهم الخيول والسلاح والمال، كما بلغ عدد فرسانهم نحو اثني عشر ألفًا، وتحول التمرد إلى تهديد حقيقي للسلطة القائمة، حيث حاول حصن الدين كسب تأييد الملك الناصر يوسف الأيوبي حاكم دمشق، ودعاه لدعمه ضد السلطان عز الدين أيبك، لكن محاولاته لم تلق أي استجابة.
استشعر أيبك خطورة ما يحدث، فكلف الأمير أقطاي بقيادة حملة عسكرية لإخماد الثورة، فانطلق أقطاي من القاهرة بخمسة آلاف فارس، وواجه جيش العرب في منطقة الشرقية، رغم شجاعة العرب واستبسالهم، إلا أن المماليك تفوقوا في القتال بفضل خبرتهم وتنظيمهم، ونجحوا في تحقيق النصر.
تمكن حصن الدين من النجاة من المعركة، لكن تضاربت الروايات حول نهايته، بعض المصادر تقول إنه طلب الأمان من السلطان أيبك، الذي وعده بالعفو ومنحه بعض الإقطاعات، ثم غدر به بعد ذلك، فقتل أنصاره وسجنه في الإسكندرية، بينما تشير روايات أخرى إلى أن ثعلب ظل خارج سيطرة المماليك، وواصل قيادة ما يشبه الدولة المستقلة، إلى أن تمكن الظاهر بيبرس من استدراجه بالأمان ثم ألقى القبض عليه وشنقه بالإسكندرية.



