“عين حورس” الرمز المقدس وراء العين الزرقاء
كتبت شيماء طه
في قلب الميثولوجيا المصرية القديمة، تتجسد عين حورس كأحد أعظم الرموز التي ربطت بين الحماية الإلهية والخلود الروحي. فهي ليست مجرد رمز زخرفي، بل قصة أسطورية تمثل انتصار الخير على الشر، والشفاء بعد الألم، والنور بعد الظلام. ومن هذه الأسطورة خرجت رمزية “العين الزرقاء” التي ما زالت حتى اليوم تُستخدم كتميمة للحماية من الحسد ودرء الأذى.
تبدأ الأسطورة عندما خاض الإله حورس معركته الشهيرة ضد عمه الإله ست الذي قتل والده أوزوريس، رمز الخير والعدل. وأثناء القتال، فقد حورس عينه، لكنها أُعيدت إليه بفضل السحر الإلهي الذي قامت به الإلهة حتحور، فعادت أقوى مما كانت. ومنذ ذلك الحين أصبحت “عين حورس” أو “الودجات” كما عُرفت في النصوص الهيروغليفية، رمزًا للشفاء والحماية والنور الذي يهزم الظلمة.
كان المصريون القدماء يقدّسون هذا الرمز، فكان يُرسم على المومياوات والأكفان لحماية المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر، ويُنقش على جدران المعابد كدرعٍ ضد الأرواح الشريرة. كما كانت التمائم على شكل “عين حورس” تُصنع من الأحجار الزرقاء والخضراء وتُعلّق في صدور المحاربين أو حول أعناق الأطفال والنساء، لاعتقادهم بأنها تردّ الحسد وتمنح الصحة والعمر الطويل.
وللعين في شكلها دلالات عميقة؛ فهي تجمع بين رموز الحياة والقوة والبصيرة. الخطوط تحت العين تمثل دموع حورس، علامة التضحية والفداء، بينما الحاجب العلوي يرمز إلى الحماية الإلهية التي تحيط بالإنسان في كل لحظة. أما لونها الأزرق فقد ارتبط بعين السماء، فصار لونًا مقدسًا للحماية من الشرور الخفية.
ورغم مرور آلاف السنين، ظل أثر “عين حورس” حاضرًا في الوجدان الشعبي، فانتقلت رمزيتها إلى العين الزرقاء التي يعلقها المصريون والعرب حتى اليوم درعًا من الحسد. وهكذا استمرت الأسطورة من المعابد إلى البيوت، حاملةً في جوهرها إيمان المصري القديم بأن العين ليست فقط وسيلة للرؤية، بل نافذة للحياة، وطاقة للخير، وسلاح ضد الشر.
إن “عين حورس” ليست مجرد رمز من الماضي، بل هي رسالة خالدة من حضارةٍ آمنت بأن القوة الحقيقية تكمن في الإيمان بالحماية الإلهية والنور الذي لا ينطفئ في روح الإنسان.



