جامع الخلفاء في بغداد مئذنة تميل وذاكرة عباسية تنتظر الإنقاذ
يعد جامع الخلفاء في بغداد إلى جانب جامعي المنصور والرصافة من أكبر الجوامع التاريخية في العاصمة، وقد احتضنت هذه الجوامع صلاة الجمعة طوال القرون الأربعة الأخيرة من عمر الخلافة العباسية، ما منحها مكانة دينية وتاريخية راسخة في وجدان المدينة وسكانها.
خلال السنوات القليلة الماضية، رصد مختصون ميلا واضحا في مئذنة جامع الخلفاء، وهو ميلان يثير مخاوف حقيقية من خطر الانهيار، ورغم وضوح المشكلة واتساعها، لم تتخذ الجهات الرسمية حتى الآن خطوات عملية كافية تضمن إنقاذ هذا المعلم التاريخي وحمايته من التلف أو السقوط.
تاريخ جامع الخلفاء
أوضح مدير المؤسسات الدينية في ديوان الوقف السني عامر الجنابي أن أعمال صيانة جامع الخلفاء ومئذنته تأخرت بسبب الأزمة المالية التي تمر بها البلاد، مؤكدا أن إعادة ترميم وتأهيل الجامع تحتاج إلى موافقات معقدة من وزارة الثقافة العراقية، باعتبار الجامع صرحا تاريخيا يخضع لضوابط خاصة.
وأشار الجنابي إلى أن ديوان الوقف بادر إلى وضع تدعيمات أولية للمنارة بهدف منع سقوطها، موضحا أن إعادة التأهيل الشامل للمنارة والجامع تتطلب مبالغ مالية كبيرة، لأن المواقع الأثرية تحتاج إلى خبراء متخصصين وإشراف هندسي دقيق، وأضاف أن الوقف رفع بالفعل مشروعا متكاملا لإعادة ترميم الجامع بانتظار استكمال الإجراءات اللازمة.
معمار فريد وتفاصيل نادرة
يضم جامع الخلفاء قاعة مصلى ذات شكل ثماني، تعلوها قبة مزخرفة من الداخل بالخط الكوفي، ويبلغ ارتفاع القبة نحو سبعة امتار، يضاف إليها الارتفاع الاساسي للبناء الذي يصل إلى نحو اربعة عشر مترا، كما يحتوي الجامع على ثلاثة اروقة تؤدي إلى المصلى، ما يعكس طابعا معماريا عباسيًا مميزا لا يزال حاضرا رغم تقادم الزمن.
مئذنة جامع الخلفاء
يعرف البغداديون مئذنة جامع الخلفاء باسم منارة سوق الغزل، نسبة إلى السوق الشعبي الشهير المجاور للجامع، ويؤكد المؤرخ علي النشمي أن الجامع شيد في القرن الثالث الهجري في عهد الخليفة المكتفي بالله، وأن المئذنة صمدت لأكثر من الف ومئتي عام، ما يجعلها من اقدم المنارات في العالم الإسلامي.
ويشير النشمي إلى أن اعمال الترميم التي جرت في ستينيات القرن الماضي شملت الجامع دون المساس بالمنارة، حرصا على قيمتها الاثرية، إلا أن الاهمال عاد ليترك آثاره الواضحة، خصوصا مع استمرار انحناء المئذنة دون تدخل حكومي فعال يحمي هذا الصرح العريق.
مخاطر المياه الجوفية
ينبه النشمي إلى أن موقع جامع الخلفاء يقع في منطقة تحتوي على مياه جوفية، وهو ما يعرض اساساته للتآكل مع مرور الوقت، ويزيد من احتمالات الانهيار اذا لم تعالج المشكلة بشكل علمي ومدروس.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن بناء جامع الخلفاء تم بين عامي 289 و295 للهجرة، الموافقين 902 و908 للميلاد، وذكره الرحالة ابن بطوطة عند زيارته بغداد عام 727 للهجرة، 1327 للميلاد، ما يعكس حضوره العميق في الذاكرة التاريخية للمدينة.
إعادة بناء جامع الخلفاء
كانت مئذنة الجامع في زمن سابق اعلى منارة يمكن من خلالها رؤية بغداد، وبلغ ارتفاعها نحو خمسة وثلاثين مترا، إلا أن المئذنة سقطت وهدم الجامع عام 670 للهجرة، 1271 للميلاد، ثم أعاد الناس بناء الجامع والمئذنة عام 678 للهجرة، 1279 للميلاد، ليعود المعلم إلى الحياة من جديد.
دراسات وخبرات دولية
من جانبه، أوضح المتحدث باسم وزارة الثقافة احمد العلياوي أن إعادة تأهيل جامع الخلفاء ومئذنته ليست مهمة سهلة، نظرا لعمر الموقع الذي يمتد لمئات السنين، وكونه واجهة من واجهات بغداد التاريخية، ما يستدعي اجراء دراسات عميقة قبل الشروع بأي عمل.
وأشار العلياوي إلى أن لجنة من الخبراء البريطانيين تدرس حاليا آليات إعادة التأهيل، خاصة مع وجود مشكلات تتعلق بأنابيب مياه الصرف الصحي في المنطقة، والتي تؤثر بشكل مباشر على البنية التحتية للجامع وتهدد استقراره، وأضاف أن الوزارة بالتعاون مع اللجنة وضعت المخططات الهندسية اللازمة بانتظار اعتمادها للبدء بالتنفيذ.
آخر الشواهد العباسية
ونوه الباحث في التاريخ الاسلامي كريم الاعرجي أن جامع الخلفاء يعد من اهم المساجد التاريخية في بغداد والعراق عموما، ويؤكد أن تاريخه يعود إلى العصر العباسي المبكر، إذ شيد اساسا لاداء صلاة الجمعة، وحمل في بداياته اسم جامع القصر، ثم عرف لاحقا بجامع الخليفة، قبل أن يستقر اسمه على جامع الخلفاء.
ويعتبر الاعرجي أن جامع الخلفاء ومئذنته يمثلان جزءا من آخر ما تبقى من آثار الدولة العباسية في العراق، داعيا الجهات المعنية إلى تحمل مسؤولياتها والاهتمام بهذا الارث التاريخي، حفاظا على هوية بغداد وذاكرتها الحضارية التي تختصر قرونا من التاريخ الاسلامي.



